شَعري كاذب.. وشِعري صادق! مقدمة: حسن توفيق

أعشقُ الليل.. أتوحد فيه مع الكون.. أضمد جراحي فيه، أو أبوح بحزني له.. أتنفس فيه بحرية أكبر. أما النهار، فله معي شأن آخر، اتغافل - عادةً - عنه، حيث أظل نائما حتى الظهيرة. حين أُضطر - أحيانا - لأن أصحو صباحاً، أشعر بالإشفاق تجاه الناس الذين أراهم في الطرقات والشوارع.. أحس أنهم آلات بشرية، تتحرك بصورة فوضوية أو منظمة، وفقا لطبيعة الإيقاع في المجتمعات التي ينتمون إليها.

النهاريون من أصدقائي يعرفون هذا جيدا.. لا يحاول أحدهم أن يوقظني خلال النهار إلا لما يتصور أنه ضرورة قصوى.. هذا ما جرى منذ سنوات، حيث أيقظني صديق حميم، ليقول لي: ألم تقرأ ما كتبه عنك اليوم الناقد الكبير رجاء النقاش؟!.. ما زلتُ يا صديقي نائما، فكيف أقرأ؟.. ضحك صديقي، وقال: يبدو أنه يريد أن يداعبك، فقد استهل مقاله بالقول: إن شِعر حسن توفيق صادقٌ، على عكس شَعره الكاذب!.

ضحكتُ بالطبع، حين قرأت - بعد أن صحوتُ - ما كتبه أستاذي رجاء النقاش.. قررتُ أن أمنعه من أن يكرر مثل هذا القول مرة ثانية.. هكذا أقلعتُ - من يومها - عن استخدام «صبغات الشَعر» التي كان شَعري (بفضلها أو بفضل مكرها وخداعها) يتحول من «ثلج سيبيري» إلى «فحم إفريقي». لهذا كنت أطلق على هذه الصبغات، أحيانا، إسما رمزيا موحيا، هو «الكيمياء».. وأحيانا كنت أختار لها إسما واقعيا مزعجا هو «الدوكو»!.. ومع أول زيارة جديدة أسعد فيها بلقائه، بادرني رجاء النقاش متسائلا، بعد أن افتقد «فحم» رأسي، ولم يجد أمامه غير «الثلج».. ما هذا؟.. أين فن التمويه؟.. قلت له، وأنا أتصنع الجدية: أردتُ أن يكون شَعري صادقا مثل شِعري!.

منذ أن كنت صبيا، تعلمت من أبي الغالي «الحاج توفيق محمود» حب الصدق، فقد كان أبي يكره الكذب ويرى أنه من «المحرمات». بعد أن كبرت، تجسد الصدق لي في إنسان نبيل، كنت أشعر أنه أبي الروحي، رغم إنه لم يكن يكبرني في العمر إلا بنحو تسع سنوات. هذا الأب الروحي هو الشاعر العظيم صلاح عبدالصبور الذي لم يكن يكتب ليعيش، وإنما كان يعيش ما يكتبه بكل معنى الكلمة. أعود هنا إلى ما كتبه صلاح عبدالصبور في كتاب من أجمل كتبه وهو «حياتي في الشعر» حيث يؤكد: «.. إن أعظم الفضائل عندي هي الصدق، والحرية، والعدالة.. وأخبث الرذائل هي الكذب، والطغيان، والظلم. ذلك لأني أعتقد أن هذه الفضائل هي التي تستطيع تشكيل العالم وتنقيته، وأن غيابها معناه ببساطة: انهيار العالم. وقمة الصدق عندي الصدق مع النفس، ومعناه أن يدرك الإنسان وجوده ويعيه، وأن يعرف مكانه من الحياة، وأن يتحمل دوره وعبء وجوده في الحياة، رغم ما قد يكون من قسوته وثقله..».

للشعر وقع السحر في حياة الإنسان العربي، أو على الأقل، فإن هذا ما كان، حين كان يُطلق عليه «ديوان العرب»، وقبل أن يتخلى، كما يقال، عن مكانته لفن الرواية... اقتران الشعر بالسحر هو الذي يجعلنا نردد المثل السائر «إن من البيان لسحراً» حيث يستطيع الساحر أن يُلبس الباطلَ ثوب الحق، كما يستطيع الشاعر أن يزخرف القبيح إذا شاء، وربما لهذا  السبب كان القدماء يقولون «أعذب الشعر أكذبه». فيما يتعلق بي، فإني أرفض هذه المقولة، رغم أني أعترف أني قد أستمتع - جماليّاً - بشعر كاذب، لكني - عقليّاً - أستهجنه ولا أطيقه.

كما اقترن الشعر العربي بالسحر، فإنه ارتبط منذ بداياته بالغناء الذي يرفضه الآن المتشنجون، لمجرد أن أذواقهم سقيمة... دون مصاحبة الشعر للغناء، كيف كان يمكنه أن يتألق في أزمنة الأمويين والعباسيين، وعند أهل الأندلس؟!.. في كتابها الرائع «شمس العرب تسطع على الغرب» صورت المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه مدى اندماج الشعر بالغناء في الأندلس، على امتداد ثلاثة فصول ممتعة، هي «الحياة على نغمات الموسيقى» و«شعب من الشعراء» و«سلطان الحب».. نتيجة لشغفي بالغناء، فإني أتقبل - عقليا - النماذج الجيدة من «قصيدة النثر» لكني لا أستطيع - وجدانيا - أن أستمتع بها. لهذا السبب، لم يخطر ببالي أن ألجأ إلى «التجريب» وأحاول، ولو مرة، أن أكتب «قصيدة النثر» بل إني لا أرتاح لمسماها، وأرى أنه متناقض مع نفسه!.

وكما أهرب أو أتهرب من «قصيدة النثر» المعاصرة، فكذلك هو حالي مع قصائد «المدح» التراثية. جرت العادة عند شعراء المدح، أن يستهل الواحد منهم قصيدته بمقدمة «غزلية» وحين أراجع ما تحفظه ذاكرتي من قصائد المدح أكتشف أني لا أحفظ غير المقدمات الغزلية وحدها، كأني أشعر تلقائيا أن هذه المقدمات صادقة في غالبيتها، على نقيض ما يليها من أبيات المدح في معظم الأحوال، فهي تبدو لي كاذبة، حتى وإن كانت ساحرة!.

بالطبع فإني لا أستطيع أن أُصدر حكما عاما قاطعا على قصائد المدح، فهناك ما تستوعبه ذاكرتي منها مما أستمتع به من جهة، وأشعر أن الصدق يتغلغل فيه من جهة ثانية، وهذا ما أجده بوضوح عند الشعراء الذين يندمجون ويتآلفون مع ممدوحيهم. على سبيل المثال، فإني أطرب حين أقرأ قصائد المتنبي في مدح «سيف الدولة» لكني أنفر نفورا شديداً من مدائحه التي قالها في «كافور الإخشيدي» بل إني أشعر أن المتنبي يكاد يعترف بأنه «يكذب» وهو يمدح كافور الإخشيدي. وإذا جاز لي الآن أن أقفز من زمان المتنبي إلى زماننا الراهن، فإني أرى أوجه التقاء بينه وبين الكاتب السياسي الأكبر الأستاذ محمد حسنين هيكل. اندمج هيكل وتآلف وتوحد مع الزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر، فكتب عنه - بكل الصدق - ما كتب، وحين تعامل هيكل مع مَنْ حكم مصر بعد غياب عبدالناصر، فإنه كتب للضرورة التي لها أحكام، كما يقولون.

يترقب الشاعر ممن يمدحه أن يغدق عليه أموالا وعطايا وجوائز... قصيدة المدح هنا ليست لوجه الله، وإنما هي مكتوبة لانتزاع ما يمكن انتزاعه من الممدوح. الأمر يختلف تماما في قصائد الغزل والرثاء، فالحبيبة التي وَجْهها «بدر» وشَعرها «ليل» لا تدفع لمن يتغزل فيها أموالا وعطايا وجوائز، وكذلك حال «الفقيد» الذي يتفجع الشاعر عليه، فإنه لا يدفع، لأنه - ببساطة - قد رحل. وحين يكون الشاعر قانعا، أو لديه من الترف والنعيم ما يكفيه، فإنه قد يكف عن المدح، وهذا ما يتجلى عند عمر بن أبي ربيعة، فقد ذكر الرواة أن الخليفة قد التقى معه ذات مرة فقال له: «ما يمنعك يا عمر، من مدحنا؟» وجاءت الإجابة الفورية من عمر بن أبي ربيعة: «أنا لا أمدح الرجال، إنما أمدح النساء».. ومن هذا المنطلق يبدو لي أن كثيرين من الشعراء يكونون صادقين مع النساء اللواتي يتغزلون فيهن، كما أنهم يكونون، غالبا، صادقين مع الراحلين الذين يتفجعون عليهم ويقومون برثائهم، خصوصا إذا لم تكن لديهم أطماع دنيوية، يؤملون أن يحققوها أو أن يحصلوا عليها عن طريق ورثة هؤلاء الراحلين، لكن الشعراء يكذبون، في كثير من الأحيان، حين يمدحون الخلفاء، ومن جاء بعدهم من ملوك ورؤساء، أو أصحاب جاه ونفوذ وسلطان.

لكل إنسان منا - نحن العرب - أكثر من وجه. حين أقول هذا فإني لا أقصد أن أُدين أحدا أو أن أدين نفسي. فما أراه هو أن كل إنسان منا يحاول أن يرسم لنفسه صورة معينة، لا بد أن تكون مدعاة للفخر والزهو بالطبع، حين يرتاد مجالس أو منتديات عامة. لكن مواقفنا الحقيقية تبدو مختلفة، بل متناقضة في مجالسنا الخاصة مع الحميمين والمقربين والخلصاء، حيث تختلف رؤيتنا للأمور في مجالسنا الخاصة عما نعلنه أو نجاهر به في المجالس العامة، والتي تضم - بدورها - مختلفين ومتناقضين، لكنهم يحاولون إثبات أنهم متحابون ومتقاربون. وما ينطبق على الناس في مختلف مجالات الحياة العربية، ينطبق بالطبع على شعرائنا العرب، مع وجود استثناءات قليلة، لا يمكنها أن تلغي القاعدة العامة.

أمير الشعراء أحمد «بك» شوقي كتب روائع دينية، غنتها خالدة الصوت أم كلثوم، مِنْ «سلوا قلبي غداة سلا وتابا» إلى «ريم على القاع بين البان والعلمِ» مرورا بـ «وُلد الهدى فالكائنات ضياءُ».. لكن أمير الشعراء هو نفسه الذي أعلن فرحته بانقضاء شهر الصوم عند المسلمين، وهو الشهر الذي كان يمتنع فيه عن الشراب، لهذا نراه يبتهج وهو يقول «رمضان وَلَّى هاتها يا ساقي..».

للشاعر الذي أحببته منذ صباي، الدكتور إبراهيم ناجي، صورة مثالية مشرقة من خلال قصائده التي يتعطش فيها إلى من يحبها تعطشا روحيا، بعيدا عن الاشتهاء الجسدي، ومع هذا فإن أصدقاء شبابه، أشاروا بالتلميح وبالتصريح إلى ما كان يقوم به في مقتبل شبابه من صولات جنسية، لم يكتب عنها ولو بيتا واحدا، كأنما لتظل الصورة المثالية المشرقة ماثلة في الأذهان.

ويرسم الشاعر علي محمود طه - هو الآخر - لنفسه صورة مثالية، تتجلى في الكثير من قصائده المتعلقة بالمرأة، ومن بينها قصيدة «في مخدع مغنية»... هبط الشاعر هبوط الملاك في مخدع المغنية الساحرة ذات ليلة، لكي يصور «الخيال الذي شاع في جو المخدع» ولكي يصور المغنية ذاتها وهي تمطره بالقبلات، ثم يحدثنا عن عتابها له وعن إغرائها وطلبها منه أن يغتنم الليلة التي جمعتهما إلى أن يلوح الصباح، وعلى الرغم من كل هذا الإغراء من جانب الحسناء، فإن الشاعر أبى إلا أن يصور نفسه في صورة «طير الخيال» الذي جاءها، فقط، لكي يصدح في روضها، وكأنه «يوسف» جديد، تراوده عن نفسها «زليخة» فيتمنع ويترفع. هكذا رسم علي محمود طه صورة مثالية لنفسه، خلال أبيات «في مخدع مغنية» ولكن لو افترضنا أن الحكاية حقيقية، فماذا كان يمكنه أن يقول عنها لأصدقائه الحميمين في إحدى سهراته الخاصة معهم؟.. هل سيؤكد أنه كان بالفعل «طير الخيال» أم سيحدثهم - بكل زهو - عن تذوقه لثمار ليلة الأنس؟!.

نفس هذا الموقف تعرض له صلاح عبدالصبور في «فيينا» ولكنه لم يقدم نفسه على اعتبار أنه «طير الخيال» وإنما بصفته إنسانا، وهذا ما نتعرف عليه في إحدى قصائد ديوانه «أحلام الفارس القديم» وهي قصيدة «أغنية من فيينا»:

يا جسمها الأبيض قُلْ: أأنتَ صوت؟

فقد تحاورنا كثيرا في المساء

يا جسمها الأبيض قل: أأنتَ خضرةٌ منورة؟

يا كم تجولتُ سعيداً في حدائقك

يا جسمها الأبيض قل: أأنت خمرة؟

فقد نهلتُ من حواف مرمرك...

لو أننا هاجرنا - بشكل مؤقت - من زماننا إلى زمن بني أمية، فإننا نجد في الجزيرة العربية فريقين من الشعراء، ولكل فريق منهما نظرة إلى الحب تختلف عن نظرة الفريق الآخر له، فهناك شعراء الحب الحسي، وكانوا من المترفين ماديا، ويعيشون في المدن، ومنهم عمر بن أبي ربيعة، وهناك شعراء الحب العذري، الذين لم تكن حياتهم مترفة، ولم يكونوا من سكان المدن، فقد كانت البادية سكناهم، ومنهم قيس بن الملوح - مجنون ليلى، وجميل - بثينة، وكُثير - عزة، وهؤلاء هم الذين كنت أحبهم، وأتعاطف مع مآسيهم وإخفاقاتهم العاطفية، وتعمقَ حبي لهم من خلال إعجاب أحد أساتذتي الراحلين بهم، وهو الدكتور يوسف خليف، صاحب كتاب «الحب المثالي عند العرب».

فيما بعد، طاردتني أسئلة حائرة تبحث عن إجابات مقنعة وشافية. لماذا لم تنجح علاقات الحب بين هؤلاء الشعراء وحبيباتهم؟.. لماذا لم تُتوج بالزواج؟.. وإذا افترضنا أن هذه العلاقات كانت قد تُوجت بالزواج، فهل كان من الممكن أن يظل قيس وجميل وكثير يتغزلون في ليلى وبثينة وعزة؟.. وهل القبيلة التي تنتمي إليها الحبيبة هي المسؤولة عن عدم زواج الشاعر بها أم أن الشاعر نفسه هو المسؤول الأول؟! إن الشاعر يعرف - مقدما - أنه لو تغزل في حبيبته، فإن أفراد قبيلتها سيمنعونه من الزواج منها، فلماذا يكتب قصائده الغزلية في الحبيبة إذا كان حقا يريد أن يتزوجها؟.. لماذا لا يتوجه - مباشرة - إلى القبيلة، وهو يكتم حبه إلى أن يتحقق له الزواج؟

حين طاردتني هذه الأسئلة وسواها، لم يكن الدكتور صادق جلال العظم قد أصدر كتابه المهم «في الحب والحب العذري» وهو الكتاب الذي قدم لي إجابات مقنعة وشافية تجاه معظم ما طاردني من أسئلة. يرى الدكتور صادق جلال العظم أن قصص هؤلاء الشعراء تجعلنا نتعاطف معهم على أساس أنهم مظلومون، لكنهم هم - في الحقيقة - الذين ظلموا أنفسهم بمحض إرادتهم، إذا كانت نية كل منهم تتجه حقا نحو الزواج بمن يحبها، فهم جميعاً يعرفون أن القبائل التي تنتمي إليها الحبيبات ستواجههم بالرفض، لأنهم تغزلوا فيهن قبل الزواج، وهو أمر يفضح القبيلة ويسيء إلى سمعتها. ويتوصل الدكتور صادق جلال العظم إلى نتائج محددة، منها «أن العشاق العذريين يتذرعون بالعفة والطهر والحياء ليحققوا غايتهم في استمرار الانفصال، علماً بأن سلوكهم في ساعات البعد والفراق لا يقيم وزنا لا للحياء ولا للعفة، ولا لأي من هذه القيم المثالية التي يدَّعون التمسك بها حين يرون فائدة منها في رفع حرارة وجدهم..» ويندهش صاحب «في الحب والحب العذري» من قدرة هؤلاء الشعراء «على اختراع الحيل والسبل للحفاظ على حرارة عشقهم..». ولعل ما يؤكد هذا أن الواحد منهم لا يحرص أبداً على إشباع غريزته الجنسية إشباعا كاملاً، لكي يظل العشق متوهجا في قلبه.. وفي هذا السياق، يمكننا أن نعود إلى كتاب «أخبار النساء» لابن قيم الجوزية، حيث نجد العديد من الاستشهادات والروايات التي توضح الفارق بين «العاشق» في مجتمع البادية، لا المدينة، و«الزوج» فالأول ينبغي عليه أن يظل محروما وبعيداً عن الاستمتاع بجسد عشيقته، لكي تبقى جذوة العشق متقدة في قلبه، أما «الزوج» فمباح له بالطبع كل ما هو مباح.

أعود من زمن الأمويين إلى زماننا، لأقول من جديد إن لكل إنسان منا - نحن العرب - أكثر من وجه... المجتمع العربي - رغم تنوع بيئاته - ليس وحده المسؤول عن تعدد وجوه الفرد، فالفرد نفسه يساهم في هذا التعدد للوجوه لديه. أجازف هنا بالقول إن عدم تكامل النفس الإنسانية عند كل منا هو الذي يتسبب فيما أشير إليه من تعدد الوجوه للفرد الواحد.

ومن حقي أن أتساءل في هذا السياق: كيف يروق للدكتور إبراهيم ناجي، وهو الشاعر الرومانسي المثالي، أن يترجم قصائد «أزهار الشر» لشارل بودلير، وهو الشاعر الحسي؟.. وعلى الصعيد الشخصي: لماذا أتلذذ وأستمتع بقراءة «الخبز الحافي» لمحمد شكري في حين أني شاعر رومانسي؟.. إنها محاولات لتحقيق تكامل النفس الإنسانية. كانت لناجي، في شبابه، صولات وجولات حسية، تذوق فيها متع الجنس، لكنه - كما قلت من قبل - لم يكتب بيتا واحدا عنها، حتى لا تهتز صورة «الشاعرالرومانسي المثالي» وهكذا فإن ناجي حين يترجم قصائد بودلير، بكل ما فيها من صور جنسية، فكأنه يحاول أن يشبع نفسه، ولو من خلال شاعر آخر، يتحول على يديه إلى قناع. وحين أتلذذ وأستمتع بما كتبه محمد شكري في «الخبز الحافي» فكأني أحاول أن أعوِّضَ نفسي عن حرماني لها من الكتابة الحرة الجريئة التي انطلقَ إليها الكاتب المغربي وهو يتحدث بأدق التفاصيل عن حياته وحياة الليل في طنجة.

في نفس الإطار، إطار الوجوه المتعددة للإنسان العربي، تمارس المرأة العربية ما نسميه «الكذب الاجتماعي» فهي تحب دائما التأكيد على أن الرجل هو الذي يسعى إليها، وأنه هو الراغب فيها والطالب لها، لأنها دائما المرغوبة والمطلوبة. هذا ما فعلته الشاعرة لميعة عباس عمارة التي كانت لها قصة حب مع الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، ولم يكن الحب من طرف واحد، طرف الشاعر، بل كان متبادلا، لكنها ظلت - لفترات طويلة - تؤكد أنها لم تكن تحبه، وإنما تشفق عليه. وهذا ما فعلته فدوى طوقان حين نشرت رسائل أنور المعداوي التي وجهها لها، دون أن تنشر رسائلها هي إليه. وهذا نفس ما فعلته كل من ديزي الأمير وغادة السمان، حيث أصدرت الأولى كتابا يضم رسائل الشاعر الكبير خليل حاوي التي وجهها إليها، دون أن تنشر رسائلها هي إليه، كما أصدرت الكاتبة الثانية كتابا يضم رسائل الكاتب الكبير الشهيد غسان كنفاني إليها، دون أن تبادر بنشر رسائلها هي إليه... يتجلى الصدق الإنساني والفني عند لميعة عباس عمارة وفدوى طوقان وديزي الأمير وغادة السمان في إبداعاتهن الأدبية من شعر وقصة ورواية، بينما يبرز «الكذب الاجتماعي» عند مواجهة المجتمع مواجهة شخصية مباشرة، إذ لا بد - في هذه الحالة - من التخفي والمداراة، للإفلات من حرج المواجهة الأنثوية مع هذا المجتمع. لا بأس أن يظهر كل من بدر شاكر السياب وأنور المعداوي وخليل حاوي وغسان كنفاني باعتبارهم من «الرجال» - الراغبين والطالبين، لكي تتحقق المعادلة من وجهة النظر «الأنثوية» حيث تظهر كل من لميعة عباس عمارة وفدوى طوقان وديزي الأمير وغادة السمان باعتبارهن من «النساء» المرغوبات والمطلوبات على امتداد سنوات العمر!.

ينبثق الآن سؤال جديد: هل يتجلى الشاعر أو الكاتب الأوروبي بأكثر من وجه واحد، كما هو الحال عندنا؟.. وهل هناك شاعرات أو كاتبات أوروبيات يتهربن من تحديد سنوات ميلادهن، ويترددن طويلا في الكشف عن أعمارهن الحقيقية، كما هو الحال عندنا؟ وهل تخاف الشاعرات والكاتبات الأوروبيات من نشر رسائلهن الموجهة إلى الأحباب من الرجال، ويكتفين بنشر الرسائل التي يتلقينها من هؤلاء الرجال، كما هو الحال عندنا؟

الإجابة على مثل هذا السؤال الطويل والمتشعب يمكنها أن توضح الفوارق بين مجتمعات متوجسة، تخاف من «الفضيحة» بمعانيها الإجتماعية والدينية والأخلاقية، ومجتمعات أخرى منطلقة، استطاع الفرد فيها، رجلا كان أو امرأة، أن يتحرر من عقد الخوف ومشكلاته وما يتسبب فيه هذا الخوف من انقسام في الشخصية الإنسانية، يفرض عليه أن يظهر بأكثر من وجه.

|||

يضم ديوان «وردة الإشراق» خمسا وأربعين قصيدة، منها خمس وثلاثون قصيدة من حصاد السنوات القليلة الماضية، وعشر قصائد من حصاد مراحل سابقة، ومن هذه القصائد - مجتمعةً -  ما يترسم خطى القصيدة «العمودية» ذات النهج المتوارث المألوف، ومنها ما ينتمي إلى الشعر الحر. أما موسيقاها «العروضية» فإنها تتنوع ما بين البحور المركبة التي تتألف من تكرار أكثر من تفعيلة، والبحور الصافية التي تتكرر فيها تفعيلة واحدة. وفي قصائد الشعر الحر يمكن للمهتم بعلم العروض أن يجد قصائد حرة، تعتمد على تكرار أكثر من تفعيلة واحدة، وهذا ما يبدو في «يقظة الرماد» و«الغراب والباب المغلق» و«الآمال والموت المزخرف» فالبناء الموسيقي في «يقظة الرماد»، و«الغراب والباب المغلق» يتألف من تكرار تفعيلتين هما «فاعلاتن مستفعلن» في حين يتألف هذا البناء الموسيقي في «الآمال والموت المزخرف» من تكرار «فعولن مفاعلين» وهما التفعيلتان اللتان تتكرران في «بحر الطويل» ولكي أوضح هذا الأمر، فإني اقتطف هنا المقطع الأول من هذه القصيدة:

بعينيك آمالي التي يرتجيها العمر مذ بات قلبي مؤرقا

وتعشق فيك الروحُ نضرةَ أيامي ونبضَ كآبتي

كأنكِ وعدٌ في عيون الجميلات اللواتي نأى عنهن ركب صبابتي

وجئتِ فجاء الوعد كي يتحققا

وما دمت أشير إلى البناء الموسيقي لقصائد الديوان، وما يشتمل عليه من تنوع، فإن من المناسب أن أشير إلى قصيدة «نداء الحب» التي تنهج نهج «القصيدة المدورة» ومن أبرز الشعراء الذين لفتوا نظري إلى «القصيدة المدورة» من خلال إبداعاتهم يوسف الخطيب وحسب الشيخ جعفر ومحمود درويش وأمل دنقل، كما أن لأستاذي صلاح عبدالصبور قصيدة واحدة تنهج هذا النهج، وكنت أحفظها عن ظهر قلب، وهي بعنوان «توافقات»، وفيها يقول:

| ها أنا أستدير بوجهي إليك، أيا زمنا ليس يوجدُ

بعد، أيا زمناً قادماً من وراء الغيوم.

| ها أنا أستدير بوجهي إليك، فأبكي لأن انتظاريَ

طال، لأن انتظاري يطول، لأنك قد لا تجيءُ، لأن النجوم

تكذب ظني، لأن كتاب الطوالع يزعم أنك تأتي إذا

أقترن النسر والأفعوان، لأن الشواهد لم تتكشف،

لأن الليالي الحبالى يلدن ضُحىً مجهضاً، ولأن

الإشارات حين تجيء..

تجيء إلينا الإشاراتُ من مرصد الغيب يكشف

عن سرها العلماء الثقات، تقول: انتظار عقيم..

انتظار عقيم..

انتظار عقيم..

فن «المعارضات الشعرية» فن قديم، أتصور أنه قد انقرض. ومع هذا فإن هذا الفن أثمر ثلاث ثمرات أو قصائد، يضمها هذا الديوان، وهي «النيل العاشق» و«فلسطين لا تزعجي نومنا» و«كوكب الشوق في سماء الشرق»... في القصيدة الأولى عارضت «النهر الخالد - مسافر زاده الخيال» للشاعر العبقري محمود حسن إسماعيل، وعارضت في الثانية قصيدة «أنشودة الفداء - أخي.. جاوز الظالمون المدى» لعلي محمود طه، وأقول هنا بالمناسبة أن هذه القصيدة ما تزال تائهة، دون أن يهتم أحد بضمها إلى ديوان علي محمود طه، رغم أنه طُبع عدة مرات. أما القصيدة الثالثة، فقد عارضتُ فيها قصيدة «سلُوا كؤوس الطلا.. هل لامستْ فاها؟» التي كتبها أمير الشعراء، بعد ليلة من الطرب، غنت خلالها أم كلثوم في داره المطلة على النيل «كرمة بن هانيء» فابتهج أحمد شوقي من أعماق قلبه، وإن كانت الحسرات قد امتزجت مع البهجة بحكم إحساسه بتقدم السن. كان هذا سنة 1932 قبل أن يرحل شوقي عن عالمنا يوم 16 أكتوبر من نفس تلك السنة... أما أم كلثوم فقد غنت القصيدة للمرة الأولى سنة 1946، بعد أن لحنها الموسيقار العبقري رياض السنباطي، وبعد أن قامت هي بحذف اسمها الذي كان شوقي قد ذكره - صراحةً - في بيتين، وأتصور أن أحمد رامي هو الذي ساعد في التغيير الذي طرأ على البيتين، أما نصهما الأصلي كما كتبهما أمير الشعراء فهو:

«سَلْ أمَّ كلثومَ» مَن بالشجو طارَحَها

ومَنْ وراء الدجى بالشوق ناجاهَا

«يا أم كلثومَ» أيامُ الهوى ذهبتْ

كالحلم.. آها لأيام الهوى آهَا

ظلت قصيدتي «المعارِضة» تتشكل في روحي خلال ليالي السهر الجميل مع مسلسل «أم كلثوم» الذي كتبه الفنان محفوظ عبدالرحمن، وبعد اكتمالها أرسلتها إلى أستاذي الكاتب الكبير رجاء النقاش، وكان وقتها رئيسا لتحرير «الكواكب» حيث بادر بنشرها بصورة متميزة رائعة، ثم تحمس - رغم شواغله - للاتصال بي، مبديا إعجابه الذي أسعدني حقا.

نماذج عديدة للمرأة يحفل بها هذا الديوان، فهناك نموذج الفنانة الجادة والدارسة بعمق لأصول فنها، ويتجلى هذا النموذج في المطربة والموسيقية اللبنانية هبة القواس التي كتبتُ عنها قصيدة «أحبك أيها الإنسان». وهناك نموذج المرأة المراوغة التي تحاول أن تتسلق على أكتاف الرجال الذين تخدرهم بالجسد لبعض الوقت، وهذا النموذج يتجلى في «خيول النار» و«يقظة الرماد». وهناك نموذج للمرأة التي تقيم علاقات عابرة سريعة، تبدو كأنها الومضة وسط الظلمات، لكنها تترك أثرا عميقا في روح الشاعر، وهذا ما يبدو في «الكون ووردة الدموع» و«روح الياسمين». وهناك نموذج المرأة التي تحس بتقدمها في العمر، فتحاول أن تواجه هذا الإحساس بإغراق نفسها في دوامات متلاحقة من الحب العنيف، تُنسيها ما خلَّفَه الزمن من خدوش، وقد كتبتُ أكثر من قصيدة، تصويراً لهذا النموذج، من بينها «ساحرتي والربيع الآتي» و«ليلة في الإسكندرية» و«المتاهة المسحورة».

وهناك نموذج أحببته بعمق، نموذج المرأة الصادقة والبسيطة التي لا تتصنع في فعل ولا تتجمل في قول، ومن وحي هذا النموذج كتبتُ «وردة الإشراق». وهناك نموذج المرأة التي تحب دائما أن تبدو مفكرة في قضايا الكون ومهمومة بها، وهذا ما يجعلها تنطلق إلى متع الحياة، وكأنها تؤدي واجب العزاء، ويتجلى هذا النموذج في قصيدة «جعيتا.. قطرات الزمان» ومن المعروف أن جعيتا مغارة مسحورة في كسروان بلبنان، وقد تجولتُ داخلها بصحبة النموذج الذي أشير إليه. أما النموذج الذي لم يُقدر لي أن ألتقي معه وجها لوجه، وإن كنت قد عايشت مأساته بعمق، فهو نموذج «حيزية» - العاشقة الشابة الجزائرية التي أحبها ابنُ عمها «سعيد» لكن تقاليد القرن التاسع عشر في صحراء الجزائر فرقتْ بينهما، فكان أن انتحرت «حيزية» وضاع ما تمناه «سعيد». هذا النموذج يكاد يكرر مشاهد الحب العذري في زمن الأمويين على امتداد بادية الجزيرة العربية. وقد عايشتُ مأساة «حيزية» من خلال أوبريت كتبه الشاعر عزالدين ميهوبي، ومن خلال غناء رابح درياسة للمأساة بعد أن صاغها شعرا شعبيا الشاعر البدوي الجزائري محمد بن قيطون، والذي يستهل قصيدته الشعبية على لسان «سعيد»:

عَزُّوني يا مِلاَحْ في رايس البناتْ

سِكْنتْ تحت اللحودْ ناري مقدية

إلى جانب نماذج المرأة التي عرفتها عن قرب، أو عايشتها من خلال الاستغراق في عالمها، فإني جعلت «مجنون ليلى يتكلم» ليصور مفهومه للحب، وليؤكد - بعد فوات الأوان - إنه لولا سحرُ الشعر ما كان يمكن لأحد أن يتذكر ليلى، خاصة إذا كانت من نموذج «ليلى تعشق ليلى».

لم أتحدث ولو بالإشارة السريعة عن قصائد عديدة مما يضمها هذا الديوان.. ربما حتى لا أمنع النقاد من أن يصولوا ويجولوا إذا أرادوا. أما الآن فإن نور الصباح يوشك أن يتسلل، ولا بد أن أتوقف عند هذا الحد الذي طال، لكي أنام، طالما أني أعشق الليل الذي أتوحد فيه مع الكون أو أضمد جراحي فيه أو أبوح له بحزني 

لمعرفة أخبار الشاعر أدخل بريدك الالكتروني


 

جميع الحقوق محفوظة© تصميم وتطوير (شركة روندا للتكنولوجيا)