|
لكل جمرة بداية اتقاد، لكن لا يتبقى من هذا الاتقاد في النهاية
سوى الرماد.. الرماد كان - في زمن ما - لهيب نيران، سواء أكان
لهيبا يسري في قلب غابة كبيرة، أو كان مجرد حريق في ورقة صغيرة
من أوراقنا الشخصية، نريد أن نتخلص منها نهائيا. يتحدث
المؤرخون عن «جمرة الثورة» التي تزيح ما تستطيع إزاحته من
الأوضاع الفاسدة أو الظالمة التي ثارت لتشتعل ضدها، وكذلك
يتحدث الشعراء عن «جمرة العشق» التي تظل تتجدد وتتأكد، طالما
أن هناك حواجز أو مسافات تمنع طرفي العشق من التلاقي
والاندماج، وإذا كانت «جمرة العشق» قد تظل متوقدة، وقد تخمد
شيئا فشيئا إلى أن تتبدد رمادا، فإن الأمر في الحالة الأولى
يتعلق بحرارة مشاعر العشاق، كما يتعلق في الحالة الثانية بما
يعتري هذه المشاعر من برودة أو ملل.
وماذا عن الذكريات؟!.. الذكريات - بحلوها ومرها - رماد.. رماد
قد نبقيه معنا في الذاكرة الحية أو في التذكارات التي نحتفظ
بها، وقد نترك للرياح مهمة أن تذرو هذا الرماد بعيدا، بينما
نسارع نحن إلى «نهر النسيان» الذي تحدث عنه كثيرا الشاعر
الكبير محمود حسن إسماعيل، لكي نرتوي من ماء هذا النهر، فنتخفف
مما كان يثقلنا ويرهقنا، وفي كل الأحوال لا بد أن ندرك أن
الذكريات ذاتها، شئنا أم أبينا، كانت - في زمن ما - أحداث حياة
نابضة، أحداث حياة خاصة أو عامة، فردية أو جماعية، عشناها -
وقتها - بكل ما فيها من حلو ومر، وتنفسنا هواءها، وسعدنا أو
بكينا خلال حياتنا فيها وحياتها فينا.
من الذكريات التي عاشها حياةً أبناءُ جيلي العربي وأبناء الجيل
الذي سبقهم، ذكرى ليلة موجعة وفاجعة، شحبت فيها أضواء المصابيح
في الشوارع أمام العيون المبصرة التي ترى، وغاصت فيها القلوب
وسط أمواج جارفة من النحيب واللوعة والإحساس بالفقد وضياع
الأمان.. وقتها كنت في السابعة والعشرين من عمري، عندما عشت
تلك الليلة الموجعة الفاجعة.
82
سبتمبر 0791 - البعد والفقد
كانت الحياة اليومية تسير في مسارها المعتاد والمألوف في مدن
مصر العربية وقراها، وفي كل مدن وقرى أقطار أمتنا العربية،
باستثناء ما كان يجري في الأردن، وما عُرِفَ فيما بعد بــ
«أيلول الأسود».. وكانت القاهرة تشهد في ذلك اليوم - يوم 82
سبتمبر، أيلول سنة 0791 - مغادرة عدد من القادة والرؤساء العرب
لها، بعد اجتماعات القمة العربية الإستثنائية التي دعا إليها
الزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر، وهي القمة التي خصصت
لبحث السبل الكفيلة بوقف نزيف الدم العربي الذي يتدفق في
عَمَّان، نتيجة للاقتتال الدموي بين الفدائيين الفلسطينيين
وقوات الجيش الأردني، وقد بذل جمال عبدالناصر على امتداد
اجتماعات تلك القمة وما سبقها من جهده وطاقته وأعصابه ما يفوق
احتماله رغم كل متاعبه الصحية
التي كان يحاول أن يتناساها، بل إنه بذل من جهده وطاقته
وأعصابه ما يفوق احتمال أكثر الناس تمتعا بالصحة والعافية، دون
أن يكون هو - بكل أسف - واحدا منهم.
كما قلت.. كانت الحياة اليومية تسير في مسارها المعتاد
والمألوف، وأتذكر الآن - وبكل وضوح - أني كنت قد توجهت إلى
مكتب أحد أساتذتي المرموقين في «باب اللوق» بالقاهرة، وهو
الكاتب الكبير فاروق خورشيد، استعداداً للسهرة الأدبية
الأسبوعية المعتادة التي تعقد في مكتبه، وهي سهرة تضم أصدقاءه
من أبناء جيله، وكلهم من الكبار والمرموقين في حياتنا الثقافية
والأدبية، ممن ينتمون إلى «الجمعية الأدبية المصرية» من
أساتذتي الذين تلقيت العلم على أيديهم بصورة مباشرة خلال سنوات
الدراسة الجامعية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، أو ممن تعلمت
منهم نتيجة اقترابي من عالمهم الإنساني والإبداعي، وأذكر من
هـؤلاء الإنسان النادر المثال صلاح عبدالصبور
والدكتور عبدالقادر القط والدكتور عزالدين إسماعيل والدكتور
حسين نصار والدكتور شكري محمد عياد والدكتور عبدالغفار مكاوي
والدكتور عوني عبدالرؤوف وفاروق خورشيد وعبدالرحمن فهمي ومحمد
عبدالواحد.
على غير المعتاد، تغيب كثيرون عن هذه السهرة الأدبية مساء 82
سبتمبر 0791، بينما فرض القلق العنيف نفسه على الحاضرين
القليلين منذ بداية السهرة التي انفضت مبكرا، وهنا أتذكر ما
قاله عبدالرحمن فهمي بالحرف: «البلد فيها شيء غير عادي..
الإذاعة قطعت برامجها ولا تذيع سوى القرآن الكريم بصورة
متواصلة..».. وتساءل فاروق خورشيد عما يمكن أن يكون قد جرى،
وعلى الفور قال عبدالرحمن فهمي: «.. ربما يكون هناك انقلاب
عسكري..».. وسكت عدة لحظات ثقيلة عاد بعدها ليقول والوجوم يكسو
ملامح وجهه: «ربما تكون الراس الكبيرة قد سقطت. ربنا يستر»..
وأحسسنا جميعا بالخوف، بل بالرعب من «ربما» الثانية.. وتفرقنا،
بعد
أن طلب عبدالرحمن فهمي من كل منا، ومني بالذات باعتباري الأصغر
سنا العودة إلى بيوتنا مباشرة، وأن يحاول كل منا السير في
الشوارع الجانبية مبتعدا بقدر ما يستطيع عن الشوارع الرئيسية،
وبمجرد أن خرجت إلى الطريق لم أستطع تلبية ما أوصى به
عبدالرحمن فهمي، وانطلقت شارد الذهن، مبلبل البال، إلى ميدان
التحرير، ولاحظت أن قليلين هم الذين يتجولون في أرجائه على غير
المعتاد، وأخذت أسير.. أسير.. والقلق يحاصرني حينا أو يرافقني
في سيري حينا آخر، إلى أن دخلت أحد المقاهي الشعبية الصغيرة في
شارع التوفيقية، وكان رواده الجالسون من العمال البسطاء ومن
البوابين الذين يعملون في العمارات القريبة من المقهى.. ولاحظت
أني «الأفندي» الوحيد بينهم، وأن القلق الذي يحاصرني أو
يرافقني يكاد يطل من نظرات هؤلاء الجالسين أجمعين، بينما كانت
آذانهم ترهف السمع إلى «الراديو» الخشبي العتيق الذي تتردد منه
آيات
القرآن الكريم، وفجأة صمت «الراديو» ووقف الجالسون متحلقين
حوله، وتحول قلقي إلى رعب حقيقي، يحاول أن يتوقع كل ما هو أسوأ
وأسود، إلا أن يكون الزعيم قد رحل عن عالمنا، وإذا بصوت أجوف،
أعرفه تماما، لكني لا أطيق سماعه، يقول بنبرات متصنعة: «أغلى
الرجال..» وعلى الفور أدركت أن كارثتين، لا كارثة واحدة، قد
حلتا بمصر وبأمتنا العربية كلها.. الكارثة الأولى رحيل
الزعيم.. رحيل جمال عبدالناصر.. والكارثة الثانية تتمثل في شخص
من قال «أغلى الرجال».. حيث ارتعدت حقا لمجرد أني تصورت أن
صاحب الصوت الأجوف هو الذي سيخلف الزعيم التاريخي لمصر
وللعروبة جمعاء.
خرجت من المقهى قبل أن يكمل الصوت الأجوف ما يقول.. خرجت..
ولكن إلى أين؟.. إلى ما لست أدري.. إلى الشارع.. واكتشفت أني
لست الوحيد الذي يبادر بالخروج من المكان الذي هو فيه.. كل
الناس يخرجون.. إلى أين؟.. كلهم لا يعرفون، لكنهم يخرجون..
وتعالت صيحات النساء من كل الأرجاء، وأحسست بالفعل أن أضواء
المصابيح في الشوارع قد مالت إلى الشحوب، وأن القلوب.. كل
القلوب.. تغوص في أمواج جارفة من النحيب واللوعة والإحساس
بالفقد، بل باليتم الذي يتغلغل في الهواء وفي صرخات النساء،
وفي عيون الرجال وهم يجهشون بالبكاء.
قلت - من قبل - إن الذكريات رماد، رماد حياة عشناها، ولكن ذكرى
الليلة الموجعة الفاجعة، ذكرى ليلة 82 سبتمبر - أيلول سنة
0791، ذكرى غياب جمال عبدالناصر غيابا جسديا لا معنويا، تبدو
حية في ذاكرتي كأني أعيشها حياةً حتى الآن، رغم أني أكتب الآن
ما أكتب وقد أبعدتني عن هذه الليلة الموجعة الفاجعة اثنتان
وثلاثون سنة، من سنة 0791 إلى سنة 2002.
أكاد أسمع الآن.. لا.. بل إني - وبعد اثنتين وثلاثين سنة من
الغياب - أسمع حقا وليس توهما أصوات الهتافات التلقائية
الحزينة التي انبثقت من قلوب البسطاء فأطلقتها حناجرهم
الملتاعة
في يوم الوداع الحزين الذي لا يستطيع أحد ممن عايشوه أن ينساه،
وقد كنت واحدا من هؤلاء، فكيف يمكن أن أنسى؟..
كيف يمكن أن أنسى هذا الهتاف التلقائي البسيط: «يا جمال.. يا
نور العين.. سايب مصر ورايح فين؟..» وكيف يمكن أن أنسى إيقاعات
اللحن الجنائزي الشعبي الذي تغلغل في كل قلب، هذا اللحن الذي
امتزجت فيه أحزان الجنائز الفرعونية بأحزان «كربلاء».. ولا بد
هنا أن أقتطف الكلمات التي كنا جميعا نرددها على إيقاعات هذا
اللحن الجنائزي الشعبي الجليل:
الوداع.. يا جمال.. يا حبيب الملايين
الوداع..
ثورتك ثورة كفاح.. عشتها طول السنين
الوداع
أنتزع الآن نفسي انتزاعا من ذكرى الليلة الموجعة الفاجعة، وما
تلاها منذ اثنتين وثلاثين سنة، لأتوغل في قلب زمان بعيد.. زمان
ميلاد طفل، قُدِّرَ له أن يصبح «حبيب الملايين» وما يزال حتى
بعد الغياب «حبيب الملايين».
جمال.. الواقع والأسطورة
في كل يوم..
بل في كل دقيقة.. يولد من يولدون، ويرحل عن عالمنا راحلون.. في
مختلف أنحاء الأرض يولد أطفال كثيرون، لكن لا أحد يسمع أو يعرف
شيئا عن ميلاد أبناء الفقراء والبسطاء والمغمورين، أما أبناء
أصحاب الجاه والسلطان والنفوذ، فإن وسائل الإعلام تتحدث عنهم،
حتى وهم في بطون أمهاتهم، وقبل أن يفتحوا عيونهم للنور،
ويطلقوا صرخة الميلاد.
في الخامس عشر من يناير سنة 8191 ولد أطفال كثيرون من مختلف
الألوان والأجناس والأديان في مختلف أنحاء الأرض، ومن بين
هؤلاء الأطفال ولد طفل عربي - مصري أصيل، اختار له أبوه
عبدالناصر حسين اسم «جمال».. ولأن «جمال» ابن واحد من الموظفين
البسطاء، فإن قليلين هم الذين سعدوا بميلاده، وهم أفراد عائلته
وأقاربه ومعهم الجيران، أيام أن كان لكلمة «جيران» معنى!.
من 51 يناير سنة 8191 أعود إلى 82 سبتمبر - أيلول سنة 0791 حيث
يتجلى الفارق الواسع الشاسع ما بين ميلاد الطفل «جمال» ورحيل
الزعيم «جمال»، فإذا كان قليلون - كما قلت - هم الذين سعدوا
بميلاد الطفل جمال عبدالناصر حسين، فإن العالم كله من أقصاه
إلى أقصاه عرف نبأ رحيل الزعيم العظيم.. وجرى ما جرى مما
عايشناه وأشرت من قبل إليه.... مأتم كبير.. كبير.. خيم بأجوائه
السوداء على أمتنا العربية جمعاء.. الأعداء والأصدقاء، على
السواء، كانوا في ذروة الدهشة المطبقة عليهم حين عرفوا هذا
النبأ.. على سبيل المثال، فإن المرأة الصهيونية جولدا مائير
رئيسة وزراء الكيان العنصري الصهيوني قالت - وقتها - إن هذا
النبأ مجرد شائعة سخيفة.. ورفضت أن تصدق هذا النبأ في
البداية.. أما شواين لاي، وهو أحد الزعماء التاريخيين للصين
الشعبية العملاقة، فقد قال - فيما بعد وبالتحديد سنة 3791 -
للكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل: «.. هل يُعقل أن يذهب
جمال عبدالناصر من أيديكم وهو بعدُ دون الثانية والخمسين؟!..
إنكم
لم تحسنوا المحافظة عليه.. وتركتم الضغوط تعتصره..».
فيما يتعلق بي هنا أود أن أشير إلى أن أبي الغالي قد ولد بعد
شهر وثلاثة أيام من يوم ميلاد الزعيم، فقد ولد أبي الغالي
توفيق محمود يوم 81 فبراير سنة 8191، ومن هذا المنطلق فإني أحس
أن جمال عبدالناصر أب معنوي لي، بل أب معنوي لكل أبناء جيلي،
وأعتقد أن من حق الإبن أن يتحدث قليلا مع أبيه، لا أن يتحدث
عنه، وهذا ما سأفعله الآن..
جمال.. يا أبي الغائب.. أنت الثورة العربية وقد تجسدت في إنسان
عربي أصيل ونبيل.. ألمْ تكن أنتَ أمةً في فرد؟.. هذا ما صوره -
بعد رحيلك - شاعر العروبة الأكبر محمد مهدي الجواهري، حيث قال:
قد كنتَ شاخصَ أمة، نسماتها
وهجيرها، والصبح والإمساءَ
ألقت عليكَ غياضها ومروجها
واستودعتك الرمل والصحراءَ
كنتَ ابن أرضك من صميم ترابها
تعطي الثمار، ولم تكن عنقاءَ
..
حقا.. كنت ابن أرضك.. إلى بني مر في صعيد مصر انتميت، وفي
الأسكندرية نشأت وشببت، ومن قلب القاهرة انطلقت، لا من أجل مصر
وحدها، وإنما من أجل أمتك العربية كلها، وكانت البداية الحاسمة
لهذا الإنطلاق مع انبثاق فجر يوم 32 يوليو - تموز سنة 2591
الذي انقضت عليه الآن خمسون سنة.. نصف قرن من الزمان.
منذ ذلك اليوم التاريخي المجيد، عايشتَ ما عايشتَ مما عشناه
معك.. فرحنا مع فرحتك.. بكينا مع دمعتك.. فرحنا مع ميلاد أول
وحدة عربية في تاريخنا العربي الحديث بين سوريا ومصر.. فرحنا
بدولة الوحدة - الجمهورية العربية المتحدة، بإقليميها الشمالي
والجنوبي.. تلك الدولة - التي أعلنت أنت قيامها في الأول من
فبراير - شباط سنة 8591 وانتخبتَ رئىسا لها في الحادي والعشرين
من نفس الشهر ونفس السنة.. فرحنا مع ميلاد دولة الوحدة وقتها..
أتذكر الآن أني كنت طالبا في المرحلة الثانوية، وانطلقت مع
زملائي لنسعد بطلعتك وأنت تطل علينا من إحدى شرفات قصر
عابدين.. آه ما أسعد الأبناء - وقتها - وهم يتمعنون ولو من
بعيد في قسمات وجه الأب الذي يحقق لهم ما يتمنون.. فرحنا
وقتها.. ثم بكينا عليها، بكينا على انفصام الوحدة بالانفصال
الغادر الذي وقع يوم 92 سبتمبر - أيلول سنة 1691، وما زلت إلى
اليوم كلما تذكرت ذلك اليوم الحزين، أتذكر نبرات صوتك الجياشة
بالألم، أتذكر نبرات صوتك بكل وضوح، كأني أسمعها الآن، وأنت
تقول: «إن طعنة الصديق أشد إيلاماً من طعنة العدو..».
عشنا معك - يا أبي - وأنت تخوض أشرف المعارك، عشنا معك وأنت
تؤمم شركة قناة السويس يوم 62 يوليو - تموز سنة 6591، تلك
الشركة الاستعمارية التي لم تكن - كما قلت أنت - دولة داخل
الدولة، وإنما دولة فوق الدولة.. وعشنا معك، وأنت تبني -
بسواعد أبناء مصر وطاقاتهم وبمساندة الاتحاد السوفييتي
ومساعدته - السد العالي الذي حمى - فيما بعد - مصر من الجفاف
الذي أصاب دولا إفريقية عديدة، ولولاه لكان قد أصابنا ما
أصابها، فضلا عن أن السد العالي كان وسيظل رمزا للإرادة
الوطنية الصادقة والواثقة حين تقهر إرادة المستعمرين
والمستغلين.
عشنا معك يا جمال وأنت تساند الثورة في كل أرض عربية ضد الغزاة
وضد الطغاة.. العراق يشهد وما زال أبناؤه يرددون «بغداد يا
قلعة الأسود» منذ 41 تموز سنة 8591 إلى الآن.. ثورة المليون
شهيد في الجزائر تشهد.. جبال اليمن وصنعاء وكل الأرض اليمنية
تشهد..
عشنا معك - يا أبي - وأنت تواجه الاستعمار القديم بقطبيه
بريطانيا وفرنسا.. وعشنا معك وانت تواجه أخطبوط الاستعمار
الجديد.. الولايات المتحدة الأميركية.. إمبراطورية الشر التي
تحاول الآن أن تهيمن على كل دول العالم، بعد غياب الاتحاد
السوفييتي الذي كان يكبح جماحها ويكسر شوكة غرورها الاستعلائي
العنصري.
عشنا معك صمود بورسعيد أيام العدوان الثلاثي - البريطاني،
الفرنسي، الصهيوني سنة 6591، وعشنا معك ما جرى خلال نكسة يونيو
- حزيران سنة 7691، وعشنا معك، وأنت تبني - من جديد - جيش مصر
العربية خلال حرب الاستنزاف المجيدة التي استشهد خلالها كثيرون
من أطفال مصر في مدرسة «بحر البقر» الإبتدائية، وكثيرون من
عمال مصر في مصنع أبوزعبل، واستشهد خلالها قائد عظيم هو الشهيد
عبدالمنعم رياض.. وعشنا معك وأنت تنطلق باستمرار إلى جبهة
المواجهة مع العدو الصهيوني، لكي تطمئن بنفسك على استعدادات
أبنائك الجنود، ولكي تكون هذ ه الحرب - حرب الاستنزاف المجيدة،
ممهدة لتحرير الأرض كما خططت أنت وقدَّرت، وبالفعل فإن حرب
الاستنزاف هي التي مهدت - بعد غيابك - لحرب أكتوبر سنة 3791،
وهي - بالتأكيد - حرب مجيدة، لكن السياسة الحمقاء والخرقاء
أفرغتها من مضمونها فيما بعد، فتغير ما تغير على الساحة
العربية كلها، وهو تغير إلى الوراء، تغير استطاع أن يفرض سطوته
- لبعض الوقت - من خلال تخدير الجماهير بأوهام الرخاء بعد أن
يحل ما يسمى بـ «السلام» بين أقطار أمتنا العربية وبين الكيان
الصهيوني العنصري!.
«يا
جمال.. يا نور العين.. سايب مصر ورايح فين؟..».. هذا الهتاف
الحزين الذي انبثق من قلوب البسطاء، هو التعبير الشعبي العفوي
الذي صور أجواء الفجيعة بعد غيابك مباشرة، وقد انطلق هذا
الهتاف الصادق والبسيط قبل أن يكتب أي شاعر عربي بيتا أو سطرا
واحدا، وهكذا جاء الشعراء، بعد البسطاء، لكي يصور كل منهم
إحساسه الخاص بالفقد، فقد الزعيم العظيم، ومن يقرأ الآن قصائد
هؤلاء الشعراء العرب يستطيع أن يتبين أن منهم من جعلك «أسطورة»
فها هو نزار قباني - بكل حبه لك - قد جعلك «آخر الأنبياء» وها
هو صالح جودت - برغم انقلابه النثري لا الشعري عليك فيما بعد -
قد جعل الطائرة التي حملت جثمانك الطاهر «بُراقاً في السماء»!.
مقابل من جعلوك - يا أبي - «أسطورة» هناك آخرون من الشعراء
أدركوا - بكل حبهم
لك - أنك إنسان، بكل ما تحمله كلمة «إنسان» من جمال، وهذا ما
أكده محمود درويش حيث أوضح تماما أنك «الرجل ذو الظل الأخضر»
في إشارة منه إلى «الخضرة» التي بسط السد العالي لونها الجميل
بصورة أعمق وأكبر، ومع هذا فإنه قال بكل بساطة، ودون لجوء إلى
الأساطير:
نعيش معك
نسير معك
نجوع معك
وحين تموت..
نحاول أَلاَّ نموت معك...
...
ولست نبياً ولكن ظلَّكَ أخضر
هنا يلتقي محمود درويش - دون قصد واتفاق - مع محمد حسنين هيكل
الذي كتب في ذكرى الأربعين مقالا مهما نشره في «الأهرام»
بعنوان «عبدالناصر ليس أسطورة» ويذكر الكاتب الكبير في كتابه
«لمصر.. لا لعبدالناصر» الدافع الذي حدا به لأن يكتب هذا
المقال، حيث قال: «.. عبدالناصر ليس أسطورة.. أبديت فيه خشيتي
من استغلال المستغلين لقصة البطل فيه والرمز، وعبرت عن مخاوفي
من تحويل تراثه إلى كهنوت غيبي جامد، بينما هو في الحقيقة
تجربة إنسانية زاخرة، قابلة للحياة والنمو والتطور..».
ها أنذا أبدو مرتاح النفس ولو قليلا، لأني كنت أتحدث معك، لا
عنك يا أبي، والآن أستأذن في أن أتحول، لكي أتجول في قصائد
الشعراء العرب الذين كتبوا عنك.
الزعيم في قلوب الشعراء
«وداعا
عبدالناصر».. كان هذا عنوان المجموعة الشعرية التي صدرت عن
الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر يوم 51 يناير سنة 1791،
وكنت قد أعددت قصائد هذه المجموعة بالاشتراك مع الصديق الشاعر
الكبير أمل دنقل، حيث اشتملت على خمس عشرة قصيدة لخمسة عشر
شاعرا عربيا، كلهم ممن يكتبون قصيدة «الشعر الحر» باستثناء
عبدالمنعم الرفاعي - من الأردن والدكتورة طلعت الرفاعي - من
سوريا، وقد تصدرت المجموعة مقدمة موجزة، كتبتها أستاذتي
الجليلة الدكتورة سهير القلماوي، وكانت وقتها رئىسة مجلس إدارة
الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، أو الهيئة المصرية
العامة للكتاب كما تُسمى الآن، وفي مقدمتها الموجزة قالت
الدكتورة سهير القلماوي: «.. كان الشعراء أسبق الفنانين في
تسجيل مشاعرهم ومشاعر الجماهير العربية من حولهم يوم فقدت
الأمة العربية زعيمها جمال عبدالناصر، وخرج شعرهم صورة حية لا
تعبر عن الهول والفجيعة والآلام فحسب، ولكنها تعبر في الوقت
نفسه عن الصمود والتأسي، بل تعبر عن الأمل في تحقيق ما بدأه
الزعيم الخالد للأمة العربية كلها».
صدرت مجموعة «وداعا عبدالناصر» في الذكرى الثالثة والخمسين
لميلاد جمال عبدالناصر، وبعد غيابه الجسدي بأشهر قلائل. ولما
كانت نسخ هذه المجموعة قد نفدت تماما، فإني تهيأت لإعادة طبعها
- على نفقتي الخاصة - حيث صدرت بالفعل يوم 82 سبتمبر سنة 6991،
أي أنها صدرت متزامنة مع الذكرى السادسة والعشرين لغياب الزعيم
الخالد، ونظرا لأني لم أكن مرتاحا لعنوان الطبعة الأولى
«وداعاً عبدالناصر» فإني اخترت عنوانا جديدا لها، وهو «جمال
عبدالناصر - الزعيم في قلوب الشعراء» وقد ضمت الطبعة الثانية
التي صدرت في الدوحة بدولة قطر ست عشرة قصيدة، تصدرتها رائعة
محمد مهدي الجواهري «أكبرت يومك أن يكون رثاء» ولما كانت تلك
الطبعة الثانية قد نفدت - بدورها - ولم تعد عندي سوى نسخة
واحدة، أحتفظ بها لأهديها إلى الإنسانة العربية الجادة
والمخلصة، إبنة جيلي، وابنة الزعيم الخالد، الدكتورة هدى جمال
عبدالناصر، فقد رأيت أنه من الضروري إصدار طبعة جديدة، على
نفقتي الخاصة أيضا، وذلك لأسباب عديدة، من بينها أن الشرفاء من
أبناء أمتنا العربية جمعاء يعيشون الآن في أجواء ذكرى مرور نصف
قرن على انطلاق ثورة 32 يوليو 2591 - ثورة جمال عبدالناصر، هذا
إلى جانب الإحساس العميق بضرورة أن يتعرف أبناء الجيل العربي
الجديد على صورة الزعيم الخالد ومنجزاته كما رسمتها قصائد
شعرائنا العرب الذين يختلفون فيما بينهم - فكريا وفنيا - لكنهم
يجتمعون فيجمعون على
حبهم لجمال عبدالناصر، خاصة وأن الحملات الحاقدة الدنيئة ما
تزال تحاول إلى الآن أن تنفث سمومها ضده وضد منجزاته، لدرجة أن
السد العالي لم يسلم من هذه الحملات التي بدأت خلال حكم صاحب
الصوت الأجوف لمصر العربية، وهو الذي كان قد قال بنبراته
المتصنعة إن الزعيم: «أغلى الرجال»!!.
أعترف بأني حين شرعت في جمع قصائد هذه الطبعة الجديدة من «جمال
عبدالناصر - الزعيم في قلوب الشعراء» لم أكن أتوقع أن يظل
عددها يتزايد ويتزايد إلى أن أصبح مائة قصيدة، وأنا أعرف جيدا
أني لو بحثت وتأنيت في البحث لوجدت المزيد تلو المزيد، ولكني
قدرت أن مائة قصيدة تكفي لرسم صورة جمال عبدالناصر - الزعيم
والإنسان والأب، ولكن لا بد لي هنا أن أشكر من أعماق القلب كل
الذين ساندوني أو أرشدوني إلى مصادر لم تكن تحت يدي من قبل،
وأول هؤلاء هو الإنسان الجميل - المهندس صلاح الدين محمود حلمي
الذي التقيت معه في القاهرة يوم 01 مارس سنة 2002 لكي يعيرني
نسخته الخاصة من الكتاب الذي كانت لجنة الشعر بالمجلس الأعلى
لرعاية الفنون والآداب والعلوم الإجتماعية - المجلس الأعلى
للثقافة الآن - قد أصدرته سنة 3791، والكتاب بعنوان «من مراثي
الشعراء العرب في ذكرى الزعيم الخالد جمال عبدالناصر» ويبدو أن
هذا الكتاب قد صدر وقتها ذرا للرماد في العيون، لأن المجلس
بتركيبته التي كانت متحكمة فيه كان يمثل قلعة للتخلف والرجعية،
وعلى أي حال، فإن أحدا لم يسمع عن صدور هذا الكتاب في حينه
والذي تتصدره مقدمة صغيرة باهتة وفاترة، أما أولى قصائده فهي
قصيدة مقرر لجنة الشعر في ذلك الزمان، عزيز «باشا» أباظة الذي
كان يناصب المجددين من المبدعين العداء، وإن كان عداؤه لهم لم
يصل إلى الدرجة الطاغية من العداء عند قريبه الأديب الروائي
الراحل ثروت أباظة.. ولا بد أن أشكر هنا أيضا كلا من الصديق
الشاعر الدكتور نصار عبدالله
وابنة الزعيم العظيم - الدكتورة هدى جمال عبدالناصر، فقد سعد
الإثنان حقا باعتزامي إصدار طبعة جديدة، هي هذه الطبعة، من
«جمال عبدالناصر - الزعيم في قلوب الشعراء»، رغم أنهما ينويان
إصدار عمل مماثل، أرجو أن يكون أكثر شمولا، من الجهد الذي
بذلته، ولا أنسى هنا الإشارة إلى أن الدكتور نصار عبدالله قد
تفضل بإرسال عدة قصائد لي من القاهرة إلى الدوحة حيث أعمل،
وذلك إدراكا منه، بحكم صداقتنا الطويلة والجميلة، أن هذه
القصائد ليست في حوزتي.. أما أصدقائي في قطر، فقد غمروني حقا
بتعاطفهم ومساندتهم حين علموا بأني أعتزم إصدار هذه الطبعة،
ومن هؤلاء الدكتور علي خليفة الكواري، والدكتور محمد عبدالرحيم
كافود، والشاعر الشيخ مبارك بن سيف آل ثاني، والشاعر المبدع
محمد بن خليفة العطية الذي ساندني بكل ما في قلبه الرقيق من
حب، والأستاذ راشد الخاطر، والأستاذ عبدالرحمن بن سيف
المعضادي، والأستاذ
ناصر محمد العثمان، والأستاذ سلامة علي، وهو من أبناء مصر
الذين يعملون في قطر، أما الأستاذ محمد هلال الخليفي، فقد قدم
لي نسخته الخاصة من ديوان كامل عن جمال عبدالناصر، هو ديوان
«سبع زنابق على ضريح عبدالناصر»، للشاعر العربي اللبناني حسين
حيدر، وقد صدر هذا الديوان سنة 4791 عن دار العودة في بيروت
بالاشتراك مع مكتبة الأندلس في بنغازي، وتصدرته مقدمة للدكتور
غالي شكري، واستكمالا لنسبة الفضل إلى ذويه لا بد أن أشكر أحد
أبناء الجالية السودانية في قطر، وهو الأستاذ عبدالله القاضي،
الذي جاء لزيارتي متحمسا، لكي يقدم لي نسخته الخاصة من ديوان
كامل آخر عن الزعيم الخالد، هو ديوان «ناصريون.. نعم» للشاعر
العربي السوداني أبوآمنة حامد، وكان هذا الديوان قد صدر في
طبعته الأولى سنة 1791 عن مؤسسة إشراقة في الخرطوم، ثم أعيدت
طباعته سنة 5891.
ما الذي يجمع بين هذه القصائد المائة المختارة
ضمن هذه الطبعة الجديدة من «جمال عبدالناصر - الزعيم في قلوب
الشعراء».. وما الذي يفرق بينها؟.. هذا ما سأحاول الإشارة إليه
- بصورة موجزة سريعة - حتى لا أتدخل برأيي الخاص بما قد يؤثر
على رأي القارىء، خاصة إذا كان من أبناء الجيل العربي الجديد.
يجمع بين هذه القصائد، على المستوى الوجداني، أن غالبيتها
العظمى مكتوبة بانفعال متدفق صادق، لكن هذا لا يمنعني من القول
إن هناك قصائد قليلة تبدو فاترة العاطفة، بل باردة وهامدة،
وكأن أصحابها تصوروا أن عدم كتابتهم لها قد توقعهم في مآزق، هم
في غنى عنها، وهكذا كتب هؤلاء ما كتبوه، حتى لا يقال إنهم لم
يكتبوا، ولكي يثبتوا أيضا حضورهم في أداء «واجب العزاء» ومن
القصائد التي أدى أصحابها بها هذا «الواجب» قصيدة الشاعر
الكبير أحمد رامي، والتي يقول في مطلعها إنه حائر فيما ينوي أن
يقوله، نظرا لأن المحبين قد كتبوا قبله مشيدين بالزعيم وممجدين
ومؤبنين له!.
ماذا أقول.. وقد قال المحبونا
ما طاب في الذكر تمجيدا وتأبينا
وإلى جانب قصائد أداء واجب العزاء، وهي - كما قلت - قليلة، فإن
هناك قصائد أخرى تبدو متكلفة في صورها الشعرية، نظرا لأن
أصحابها قد أعجبتهم صور شعريةمعينة مبثوثة في شعرنا العربي
القديم، فأرادوا أن يقلدوها بمنتهى السذاجة، دون مراعاة لمقتضى
الحال كما يقال، وعلى سبيل المثال، فإن أحد شعراء العصر
العباسي، وهو عبدالله ابن الخليفة المعتز بالله، والمعروف بـ
«ابن المعتز» كان قد رسم صورة شعرية للهلال عندما تأمله، فوصفه
بأنه أشبه ما يكون بزورق من الفضة وأن حمولة هذا الزورق هي
العنبر. يقول ابن المعتز:
أنظر إليه كزورق من فضةٍ
قد أثقلته حمولة من عنبرِ
ويبدو أن الشاعر مرسي شاكر الطنطاوي قد أراد أن يقلد هذه
الصورة في قصيدته التي اختار لها عنوانا مباشرا هو «جنازة
الرئيس» وهكذا فإنه وصف الجنازة، أو بصورة أدق، وصف النعش بأنه
سفينة، وأن حمولة هذه السفينة من «العسجد» - أي من الذهب..
يقول صاحب قصيدة «جنازة الرئيس»:
لم يعرف التاريخ قبلُ جنازةً
كسفينة شُحنتْ حمولةَ عسجدِ
هكذا حاول صاحب قصيدة «جنازة الرئيس» أن يقلد صورة الهلال التي
رسمها ابن المعتز في موضوع لا علاقة له بالهلال، وإذا كان ابن
المعتز قد قال إن الزورق المصنوع من الفضة «قد أثقلته حمولة من
عنبر» فإن مرسي شاكر الطنطاوي جعل الجنازة «كسفينة شحنت حمولة
عسجد» وعلينا أن نتبين الفارق بين «قد أثقلته» عند ابن المعتز
و«شُحنت» عند صاحب قصيدة «جنازة الرئيس».. هذا فضلا عن أن
«العنبر» له رائحة جميلة، بينما «العسجد» لا رائحة له، وإن كان
له بريق، فإنه بريق بغير رحيق!!.
هناك شعراء آخرون نسجوا قصائدهم على منوال قصائد تراثية شهيرة،
ومع هذا فإنهم نجحوا ووفقوا فيما كتبوه، ومن هؤلاء أذكر الشاعر
عامر محمد بحيري في قصيدته «مرثية للقائد الخالد» حيث نسج هذه
القصيدة على منوال قصيدة خالدة، كتبها الشاعر الأندلسي
أبوالبقاء الرندي، وفيها يرثي الأندلس كلها، بعد أن أُخرج منها
العرب والمسلمون، ويستهل أبوالبقاء الرندي قصيدته الخالدة
قائلا:
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ
فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
أما قصيدة «مرثية للقائد الخالد» فإن الشاعر عامر محمد بحيري
يستهلها قائلا:
مصر التي احترقتْ أم تلك عَمَّانُ
ففي القلوب بهول الخطْبِ نيرانُ
وهناك آخرون من الشعراء توقفوا بالتحديد عند أبيات معينة لأمير
الشعراء أحمد شوقي، لكي يضمنوها أو ينسجوا على منوالها أو
يقتبسوا معانيها فيما كتبوه، وقد نجح بعض هؤلاء وأخفق غيرهم،
وعلى سبيل المثال فإن الشاعر عبدالغني سلامة حين يقول في
قصيدته «في وداع جمال»:
قد أنصف الفقر من أهل الغنى فجرى
للكادحين من الأرزاق غاديها
إنما ينظر إلى قول أحمد شوقي مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم:
أنصفتَ أهل الفقر من أهل الغنى
فالكل في حق الحياة سواءُ
وحين يقول جورج جرداق في قصيدته التي اختار لها عنوان «قصيدة»:
في أجيج كان للحرية الحمراء باباَ
فإنه - بالتأكيد - يستذكر قول أحمد شوقي في قصيدته الشهيرة عن
نكبة دمشق:
وللحرية الحمراء بابٌ
بكل يد مضرجة يُدقُّ
أما الشاعر محمد الشرفي فإنه يختتم قصيدته المؤثرة «ناصر هل
تموت.. كلا» قائلا:
لم تمتْ أنت إنما الموت..
للأبطال عمر من البطولة ثانٍ
فإنه أيضا ينظر إلى قول أحمد شوقي في رثائه لمصطفى كامل باشا:
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها
فالذكر للإنسان عمر ثانِ
وإذا كنت قد قلت - من قبل - عن قصيدة أحمد رامي إنها قصيدة
لأداء واجب العزاء، فإن هناك قصائد أخرى، تتفاوت في قيمتها
الفنية، لكن يجمع بينها أنها قصائد أداء واجب رسمي، وفقا
لقواعد البروتوكول!.. وذلك لأن أصحاب هذه القصائد قد أعدوها
لإلقائها في مناسبات التأبين، وكان عليهم - في هذه الحالة - أن
يذكروا خليفة الزعيم جمال عبدالناصر في حكم مصر، وكأن بعض
هؤلاء الشعراء - لا كلهم - كانوا يفعلون نفس ما فعله الشاعر
ابن نباتة، حين جمع بين رثاء حاكم راحل وتهنئة الحاكم الجديد
بالحكم.. يقول ابن نباتة:
هناء محا ذاك العزاء المقدما
فما عبس المحزونُ حتى تبسما
ثغور ابتسام في ثغور مدامع
شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما
..
وأشير هنا إلى بعض الأبيات التي كتبها أصحابها ضمن قصائدهم، كي
يؤدوا بها الواجب الرسمي بكل دقة، وفقا لقواعد البروتوكول،
وعلى سبيل المثال فإن الشاعر شريف أباظة يقول في قصيدته «لا
أقول الوداع»:
سيقود السادات بعدك شعبا
مُسِحتْ عنه من يديك الوصومُ
حسبه أنه زميلُ جهادٍ
لك والكابرُ الصديقُ الحميمُ
أنتما في النضال موسى وهارون..
ويقفو هدى الزعيم الزعيمُ
وهكذا جعل الشاعر شريف أباظة الزعيم الخالد جمال عبدالناصر هو
النبي موسى عليه السلام، وجعل من تولى بعده الحكم في مصر أخاه
هارون، دون أن يدرك أن دعوة موسى لم تكن موجهة إلى العرب، بل
إلى اليهود!
وعلى أي حال، فإن الذي يشاء أن يرجع إلى القصائد التي تتضمن
أبياتا، يؤدي بها أصحابها الواجب الرسمي، فبإمكانه الرجوع إلى
قصائد الشعراء عبد السلام شهاب وعبد الرحيم عثمان صارو
وإبراهيم عمر الأمين وهارون هاشم رشيد ومحمد عبد الهادي
العجيل، وهكذا اقتدى هؤلاء - دون قصد منهم - بابن نباتة،
و«هناء محا ذاك العزاء المقدما..»!
وإذا كنت اتصور أن أروع القصائد المكتوبة وفقا للشكل العمودي
هي قصيدة محمد مهدي الجواهري، وأن قصيدة عبد المنعم الرفاعي
قصيدة رائعة، لكنها ليست وحدها، فهناك أيضاً قصائد عزيز «باشا»
أباظة وحسين حيدر والدكتورة طلعت الرفاعي وصالح جودت في قصيدته
«بعد جمال» وعلي الجندي.. إذا كنت اتصور هذا، فإني أقول - بكل
وضوح - إن قصائد الشعر الحر، في غالبيتها العظمى، هي التي
استطاعت التعبير بمهارة فنية عالية وبروح شعرية متوثبة عن
فجيعة غياب الزعيم الخالد لمصر وأمتها العربية جمعاء، ويمكن
لمن يشاء أن يتأمل روعة قصائد الشعر الحر وجمالها الساحر أن
يرجع - بالذات - إلى قصائد نزار قباني وصلاح عبد الصبور ومحمد
الفيتوري ومعين بسيسو ومحمود درويش وصالح درويش وصباح الدين
كريدي وفدوى طوقان ومحمد الجيار، وأن ينطلق إلى قصيدتيْ محمود
حسن إسماعيل ورائعة أمل دنقل «لا وقت للبكاء» أما أحمد عبد
المعطي حجازي، فقد أبدع حقاً في قصيدته الرائعة «الرحلة
ابتدأت» في تصوير مشاعر الجماهير البسيطة خلال موكب الوداع
التاريخي لجثمان الشهيد جمال عبد الناصر، فضلا عن أن هذه
القصيدة الرائعة تتضمن نبوءة استثنائية مبكرة بما آلت إليه
أوضاع مصر وأمتها العربية بعد غياب الزعيم الخالد، وتتمثل هذه
النبوءة في ثلاثة أبيات مكتوبة بالشكل العمودي، وأعترف بأني
أردد هذه الأبيات بصورة تلقائية متكررة، كلما تأزمت الاوضاع،
وبان الهوان على وجوه الساسة وهم يهرعون خائفين ومنكسرين إلى
«واشنطن».. يقول أحمد عبد المعطي حجازي:
يا أيها الحزن مهلاً
وأهبط قليلاً قليلا
استوطنِ القلب واصبرْ
ع العين صبرا جميلا
أيامنا قادماتُ ُ
وسوف نبكي طويلا
..
وهنا اتوقف قليلا، لأقول إن أية مقارنات بين عصر زعامة جمال
عبد الناصر وما تلاه من عصور، تجعلنا نبكي بالفعل طويلا، ويكفي
أن الإنسان العربي لم يعد يدرك معنى الكرامة، ولم يعد يفهم
معنى العزة، ولم يعد يشاهد أمامه سوى الاقزام الذين يتصورون
أنهم عمالقة لا في مجال السياسة وحدها، بل في مختلف مجالات
الحياة، وهنا أعود لأقول إن عصر زعامة جمال عبد الناصر كان عصر
زعماء تاريخيين على مستوى العالم، ومن بين هؤلاء الزعماء جواهر
لال نهرو في الهند وأحمد سوكارنو في إندونيسيا وجوزيب بروزتيتو
في يوغوسلافيا والأسقف مكاريوس في قبرص وفيديل كاسترو الصامد
حتى الآن في كوبا، ونيكيتا خروشوف في الاتحاد السوفييتي،
وماوتسي تونج في الصين الشعبية والبطل التاريخي هوشي منه الذي
مرغ في الأوحال كرامة قوات الاستعمار الأميركي في فيتنام إلى
أن استطاع طردها حيث عادت إلى بلادها، مكللة بالعار، لا بالغار!
وعلى صعيد الحياة في مصر، فإن عصر زعامة جمال عبد الناصر كان
عصر زعامات وعصر عمالقة في مختلف مجالات الحياة وأنشطتها
المتنوعة، وقد رحل العمالقة بعد رحيل الزعيم التاريخي، فمنهم
من أصيب بالاكتئاب، ومنهم من قهره القهر الموجع، وأنا أشير هنا
- على سبيل المثال - إلى صلاح جاهين وأم كلثوم، فالأول رفض
الحياة بعد أن شاهد ما شاهد من الأوضاع المتردية والمزرية بعد
غياب الزعيم، أما كوكب الشرق التي كان الزعيم يحبها مثلما
يحبها كل أبناء مصر وأبناء العروبة، فإن السيدة التي كانت سيدة
مصر الأولى تكفلت بأن تجعلها إنسانة مقهورة، لا لسبب سوى أن أم
كلثوم كانت زعيمة على كل القلوب.
بين الناصر صلاح الدين وعبد الناصر
تظل الأمة، أية أمة، متعطشة إلى بطل تاريخي، يتجلى من بين
أبنائها، لكي يقودها باقتدار لمواجهة الأزمات أو الاخطار
الخارجية المتربصة بها، وهذا ما كان عندما تجلى للأمة
الإسلامية الناصر صلاح الدين الايوبي، بطل «حطين» الذي انطلق
للجهاد ضد الصليبيين الذين كانوا قد اجتاحوا فلسطين، وهذا ما
كان أيضاً عندما تجلى لمصر ولأمتها العربية جمال عبد الناصر
الذي واجه الصهاينة القراصنة، دفاعا عن فلسطين التي كانت شغله
الشاغل، ولم تكن فلسطين عنده مثلما كانت وما تزال عند آخرين،
ممن قال لهم نزار قباني في إحدى قصائده:
كانت فلسطين لكم
دجاجة.. من بيضها الثمين تأكلون
كانت فلسطين لكم
قميص عثمان الذي به تتاجرون
وإذا كان المؤرخون ودارسو التاريخ يستطيعون عقد مقارنات عديدة
بين كل من الناصر صلاح الدين الأيوبي الذي يرقد في دمشق وجمال
عبد الناصر الذي يرقد في القاهرة، فإني أعترف هنا بأني قد
اندهشت حقا حين قرأت - منذ فترة قريبة - عدة قصائد يرثي فيها
أصحابها الناصر صلاح الدين الأيوبي بعد رحيله عن عالمنا سنة
985 هجرية، أي سنة 3911 ميلادية، فقد وجدت أن صورة صلاح الدين
الأيوبي كما رسمها الشعراء الذين عاصروه وكتبوا مراثيهم فيه،
تكاد تكون صورة جمال عبد الناصر كما رسمها شعراؤنا العرب، منذ
أن كتبوا مراثيهم بعد يوم فجيعتنا الكبرى بفقده، وعلى سبيل
المثال فإننا يمكن أن نقرأ ما كتبه العماد الأصبهاني في رثائه
للناصر صلاح الدين الأيوبي، على أنه رثاء لجمال عبد الناصر،
فها هو العماد الأصبهاني يقول عن صلاح الدين الأيوبي:
لا تحسبوه مات شخصا واحداً
قد عَمَّ كل العالمين مماتُهُ
لو كان في عصر النبيِّ لأُنزلتْ
في ذِكره من ذِكْره آياتُهُ
يا راعيا للدين حين تمكنتْ
من كل قلب مؤمنٍ روعاتُهُ
فعلى صلاح الدين يوسف دائما
رضوان ربِّ العرش بل صلواتُهُ
إذا كانت قصيدة العماد الأصبهاني في رثاء الناصر صلاح الدين
الأيوبي حافلة بالنفحات الروحية والدينية، فإن قصائد عديدة مما
قالها شعراؤنا العرب في رثاء الزعيم جمال عبدالناصر تبدو حافلة
أيضا بنفس هذه النفحات الروحية والدينية، وهذا ما لاحظه
الدكتور محمد حُوَّر - في كتابه «بكاء رمز - جمال عبدالناصر في
مراثي الشعراء - ص 641 - حيث قال: «.. يجد الشعراء شبها كبيرا
بين صلاح الدين الأيوبي وجمال عبدالناصر، إذ جاء كل منهما بعد
هزيمة وضعف رانا على المجتمع العربي والإسلامي، ولذلك لحظناهم
يكثرون من الحديث عن صلاح الدين الأيوبي في سياق الحديث عن
جمال عبدالناصر..».
وينبغي هنا أن أتوقف للإشارة إلى قصيدة رائعة من قصائد الشعر
الحر، كتبها الشاعر العربي السوري أحمد يوسف داود، بعنوان
«مرثية للفارس الراحل» وتضم هذه القصيدة الرائعة رسائل من صلاح
الدين الأيوبي إلى جمال عبدالناصر، حيث يقول الناصر صلاح الدين
للزعيم الخالد في أولى هذه الرسائل:
عائداً كنتُ من المنفى إليك
قبل أن تنحدر الشمس وتحمر السماء
لم أكن أعرف أن النار في حطين غطاها الرماد
وعلى البحر أساطيل الصليبيين.. سيفي يتململْ
شق ذيل الغمد.. والموت بأعصابي وفي عيني رقاد
وعلى الخوذة عنواني الذي ضيَّعَه كل الملوك
إنني أترك سيفي لك في مصر.. وأَرحلْ
مقابل هذا.. وفي نفس المقام، يهمني أن أذكر الشاعر الكبير
الراحل بدر شاكر السياب، والذي كان قد كتب قصيدة طويلة عن كفاح
بورسعيد وصمودها في وجه العدوان الثلاثي الآثم عليها سنة 6591،
فقد نشر السياب قصيدته وهي بعنوان «بورسعيد» في عدد ديسمبر سنة
6591 من مجلة «الفنون» العراقية، واشار في احد ابياتها إلى
جمال عبد الناصر بكل وضوح، رغم أن النظام الملكي الهاشمي كان
مايزال يحكم العراق قبل ثورة 41 يوليو - تموز سنة 8591، كما
أشار السياب إلى البطولات العربية التاريخية، ومنها بطولات
صلاح الدين الأيوبي، ولكن السياب حذف اسم جمال عبد الناصر
وأبدله باسم «سيف الدولة» عندما نشر ديوانه «أنشودة المطر» في
دار مجلة شعر اللبنانية التي كانت تناصب العروبة العداء، وهذا
هو نص البيت الذي ورد فيه اسم جمال عبد الناصر:
يا أمة تصنع الأقدار من دمها
لا تيأسي إن عبد الناصر القدرُ
أما نص البيت بعد أن غيره السياب في ديوانه «أنشودة المطر»
فهو:
يا أمة تصنع الاقدار من دمها
لا تيأسي إن سيف الدولة القدرُ
وأتصور الآن أن هذه الواقعة، تقودني إلى الإشارة السريعة الى
تقلبات بعض الشعراء!
شاعران كاذبان يتملقان.. ويهجوان!
بعد أن نشر صلاح عبد الصبور قصيدته «عودة ذي الوجه الكئيب» في
مجلة الآداب البيروتية، اصبحت له مشكلة مع جمال عبد الناصر،
لكن الروائي الكبير الدكتور سهيل ادريس تكفل بحل تلك المشكلة
وقتها بعد لقائه مع الزعيم، وفيما بعد كتب صلاح عبد الصبور
مرثية رائعة يصور فيها إحساسه بفجيعة فقد جمال عبد الناصر.
وبعد أن نشر نزار قباني قصيدته «هوامش على دفتر النكسة» منعت
الإذاعة في مصر إذاعة الأغاني التي كتبها، بل إن أحد الشعراء،
وهو صالح جودت، طالب بأن يتم منع نزار قباني من دخول مصر!..
وقد استطاع جمال عبد الناصر ان يتقبل النقد اللاذع له في ثنايا
تلك القصيدة على اعتبار انه نقد موجه من شاعر عربي مخلص
لعروبته وقضاياها، ويمكن لمن يشاء التعرف على هذه القصة
بالتفصيل ان يرجع الى كتاب «ثلاثون عاما مع الشعر والشعراء»
للكاتب الناقد الكبير رجاء النقاش، وفيما بعد كتب نزار قباني
ثلاث قصائد رائعة في رثاء الزعيم الذي غاب.
وفيما يتعلق بالشعراء وتقلبات الأمزجة والأهواء، أود الاشارة
السريعة الى كل من صالح جودت وأحمد عبد المعطي حجازي، فقد كتب
كل منهما قصائد تمجيد للزعيم خلال حياته، وهي قصائد تفيض بالحب
والولاء، كما أن صالح جودت هو الذي كتب قصيدة «قم واسمعها من
أعماقي» بعد أن قرر جمال عبدالناصر التنحي عن السلطة بعد نكسة
يونيو- حزيران سنة 7691 وهي قصيدة مؤثرة غنتها أم كلثوم، كما
أن صالح جودت كتب أربع قصائد في رثاء جمال عبد الناصر، منها
ثلاث يضمها هذا الكتاب، ولكنه انقلب ضده فيما بعد في سلسلة من
المقالات النثرية العنيفة والظالمة، أما أحمد عبد المعطي حجازي
وبعد كل ما كتبه من تمجيد للزعيم وبعد قصيدته الرائعة التي
كتبها في رثائه، فإنه انقلب متحدثا عن ديكتاتورية عبد
الناصر!.. ومن المهم هنا القول إن الشاعرين لم يستطيعا أن
يكتبا بيتا أو سطرا واحدا من الشعر عند هجومهما على جمال
عبدالناصر.. وهذا ما يدفعني إلى التساؤل: أيهما نصدق؟ شعر
الشعراء أم ما كتبوه من نثر؟!
وأشير الآن إلى ما ترددت حقاً في الإشارة إليه، لأنها إشارة
تتعلق بشاعرين
عربيين مرموقين، هما بدوي الجبل من سوريا ومحمد المجذوب من
السودان.
للشاعر محمد المجذوب ديوان ضخم بعنوان «همسات قلب» وقد صدر هذا
الديوان سنة 0791، وتصدرته مقدمة مستفيضة «بقلم الأديب العربي
الكبير الأستاذ عبدالعزيز الربيع مدير التعليم في المدينة
المنورة» أما الديوان نفسه فإنه يتضمن قصيدة بعنوان «دنيا
ودين» يقول الشاعر في مقدمته لها إنها «ألقيت في استقبال جلالة
الملك فيصل بن عبدالعزيز أثناء زيارته للجامعة الإسلامية
بالمدينة المنورة»، حيث يقول محمد المجذوب:
لقاؤك العيد مقروناً به الظفرُ
فكيف أمنعه شعري وأعتذرُ
أأخنقُ الود في صدري وقد سنحت
له الظروف التي قد كنتُ أنتظرُ!
هذا أمر جميل من الشاعر الذي وضع بنفسه علامة التعجب بعد حديثه
عن الظروف التي كان ينتظرها، أما ما لا علاقة له بالجمال من
قريب أو بعيد، فيتمثل في قصيدة «نيرون» التي تتضمن هجوماً
سخيفاً على جمال عبدالناصر، حيث رأى الشاعر - مثلاً - أن
مساندة مصر للثورة اليمنية مؤامرة ضد الإسلام! كما هاجم محمد
المجذوب كل الرموز المصرية التي يفخر بها كل عربي شريف، حيث
تعرض لأم كلثوم وعبدالحليم حافظ ومحمد حسنين هيكل وسواهم.
أغرودة من أم كلثوم تزلزل تلْ أبيباَ
والآه من عبدالحليم تحيل ضحكتها نحيباً
وكلمة من «هيكل» أو صرختان من السعيد
تكفي لدك قوى العدو على الأثير وفي الصعيد
أما الشاعر بدوي الجبل، فإن الطبعة الثانية من ديوانه قد صدرت
عن «مؤسسة النشر الإسلامي بقم المقدسة في إيران» سنة 0002 وقد
أهدي بدوي الجبل ديوانه «إلى الملك الشهيد فيصل بن عبدالعزيز
آل سعود.. لقد حرمك استشهادك أن تصلي في المسجد الأقصى..»..
وهذا أيضاً أمر جميل من الشاعر، أما ما له علاقة وثيقة بالقبح،
فإنه يتمثل في قصيدتين من قصائد هذا الديوان هما «كافور»
و«فرعون» ومما يقوله في القصيدة الثانية التي كتبها سنة 6691:
فرعون ذلّ به اليهود وأنت عز بك اليهود
طامنْ غرورك، لم تدم عادٌ ولا بقيت ثمود
تتناهب الأشلاء نومك والعواصف والرعود
وهواجس اليمن السعيد ورجّكَ اليمن السعيد
..
وأبتعد الآن عن محمد المجذوب وبدوي الجبل، لكي أبتعد عما وقع
فيه هذان الشاعران من التملق القبيح والهجوم الأكثر قبحاً!
الثورة.. أما زالت مستمرة؟
في رثائهم للزعيم الخالد، تنبه كثيرون من شعرائنا العرب إلى
أمر مهم يميز ثورة 32 يوليو 2591 عن سواها من الثورات العالمية
والعربية التي سبقتها أو جاءت بعدها، حيث تتميز ثورة جمال
عبدالناصر بأنها ثورة بيضاء «من غير سوء» بينما سالت شلالات
الدم البشري في سواها من الثورات، حيث نجد هذا واضحا في الثورة
الفرنسية التي اقترنت بسقوط «الباستيل» يوم 41 يوليو - تموز
سنة 9871 كما نجده واضحا في الثورة البلشفية أكتوبر - تشرين
أول سنة 7191، ونجده - فيما بعد - في ثورة العراق 41 يوليو -
تموز سنة 8591.
وفي تعريفها للثورة البيضاء، تذكر موسوعة السياسة - المجلد
الأول ص 288 - أنها «مصطلح مجازي لوصف التغيير الجذري (الثورة)
في السلطة، وفي قمة الهرم السياسي والاجتماعي، من خلال إحداث
انقلاب سلمي (غير دستوري) في مواقع المسؤولية، دون إراقة دماء.
والثورة البيضاء هي أسلوب مناقض للثورة الدموية الحمراء.. ولعل
أشهر مثال على الثورة البيضاء، الثورة الإنجليزية سنة 8861،
وثورة 32 يوليو في مصر..».
وعلى الرغم من أن «الضباط الأحرار» ممن قادوا ثورة 32 يوليو
2591 بقيادة جمال عبدالناصر، كانوا ذوي اتجاهات فكرية وسياسية
متنوعة، فقد كان فيهم من هم أقرب إلى جماعة «الإخوان المسلمين»
ومن هم أقرب إلى الشيوعيين، فإن الثورة ذاتها اضطرت لأن تصطدم
مع هاتين القوتين في الداخل، قوة الإخوان المسلمين، وقوة
الشيوعيين، وذلك لأن كل قوة منهما أرادت أن تحرف الثورة عن
مسارها، يمينا أو يسارا، وهذا ما رفضه - بكل قوة - جمال
عبدالناصر بوعيه الإنساني والقومي المستنير، لكن جمال
عبدالناصر الذي يهمني هنا أن أؤكد أنه لم يكن ديكتاتورا، لم
يعتمد على حزب سياسي قوي وحقيقي، يتيح للثورة أن تحافظ على
مكتسباتها وتواصل تحقيق خططها وأهدافها حتى بعد غيابه عن
الساحة، وإنما اعتمد على حب الجماهير العربية له حبا يفوق
الحدود ويتعدى كل التصورات والتخيلات، كما اعتمد على الأجهزة
التي كانت تصيب أحيانا وتخطيء في أحيان أخرى، ومن هنا نستطيع
أن نعرف كيف استطاع صاحب «الصوت الأجوف» ومَن تابعوه أو تملقوه
أو ألَّهوه أن يغيروا مسار الثورة البيضاء وأن يحرفوها عن
مسارها، لدرجة أن صاحب «الصوت الأجوف» قبل اغتياله بشهر واحد،
وضع كل رموز مصر من مختلف القوى والاتجاهات في السجون
والمعتقلات يوم 5 سبتمبر - أيلول سنة 1891.
أخشى أن أتساءل، ونحن نعايش جميعاً أجواء ذكرى مرور نصف قرن
على
اليوم الذي أشرقت فيه شمس ثورة 32 يوليو سنة 2591، عما إذا
كانت هذه الثورة مازالت مستمرة؟.. هناك من يقولون إن هذه
الثورة المجيدة قد خمدت جمرتها بمجرد غياب الزعيم التاريخي
الخالد جمال عبدالناصر.. ومن ناحيتي فإني أتصور أن هذه الثورة
المجيدة قد انطمست ملامحها الجميلة والجليلة منذ الانقلاب
عليها يوم 51 مايو سنة 1791، هذا على المستوى الرسمي، أما على
المستوى الشعبي العربي، فإنها مازالت حية وكامنة في الأعماق
رغم غياب قائدها الفذ منذ اثنتين وثلاثين سنة، بل أني أتصور أن
غياب جمال عبدالناصر مجرد وهم كبير، وإلا فما سر هذا الحب الذي
يتواصل معه ويتجدد منذ خمسين سنة وإلى الآن؟
إن الذين عاشوا انتصارات وانكسارات جمال عبدالناصر يعرفون حق
المعرفة معنى الكرامة، ومعنى أن يرفع الإنسان العربي رأسه
بشموخ، لا أن يدفنها - كالنعامة - في الرمال، أو أن يرتدي
قناعاً لكل حالة يواجهها!.. أما الذين لم يعيشوا عصر جمال
عبدالناصر، فإني أتصور أنهم يتعطشون إلى ما أدركوا بوعيهم أنه
غائب عن الساحة العربية، وهو الإحساس بكرامة الإنسان العربي.
وإذا كان الشعراء الصادقون - لا الكاذبون - يمثلون ضمير أمتهم،
فإننا نستطيع حين نعود إلى قراءة ما كتبه شعراؤنا العرب عن
الزعيم العربي الخالد أن نتعرف على صورته الإنسانية والوطنية
باعتباره كان ومايزال أمة تتجسد في فرد، كما نستطيع القول إن
«جمرة العشق» للزعيم - «الرجل ذي الظل الأخضر» - ما تزال في
اتقاد، أما «جمرة الثورة» فإنها ماتزال حية في نفوس الشرفاء من
أبناء أمتنا العربية.
حســـــن توفيـــق
الدوحة - 7/8/2002
إشارات تاريخية وفنية
>
يشتمل كتاب «جمال عبد الناصر - الزعيم في قلوب الشعراء» على
مائة قصيدة، لثلاثة وتسعين شاعرا عربيا، وكلها مخصصة لرثاء
الزعيم التاريخي الخالد، والتعبير عن فجيعتنا الكبرى
بغيابه، وعلى هذا الأساس، فإن هذا الكتاب لا يشتمل على أية
قصيدة من القصائد التي كتبها أصحابها عن جمال عبد الناصر خلال
حياته، وهي بالطبع قصائد كثيرة بصورة مذهلة، ويمكن أن تملأ عدة
مجلدات إذا تم جمعها بغية نشرها.
>
رأيت أن أقسم هذه القصائد المائة إلى قسمين، أولهما يضم قصائد
الشعر الحر ، وهي خمس وثلاثون قصيدة لثلاثين شاعرا ، أما القسم
الثاني فإنه يضم القصائد العمودية ، وهي خمس وستون قصيدة
لثلاثة وستين شاعرا ، كما رأيت أن يبدأ كل قسم بشاعر عربي غير
مصري ، تأكيدا لأن عبد الناصر لم يكن زعيما لمصر وحدها ،
وبالتالي فإنه ليس حكرا عليها ، وهكذا يبدأ القسم الأول بقصائد
الشاعر الكبير نزار قباني ، كما يبدأ القسم الثاني برائعة شاعر
العروبة الأكبر محمد مهدي الجواهري.
>
هناك شعراء عرب ، كتب كل منهم أكثر من قصيدة ، وهم نزار قباني
ومحمود حسن إسماعيل ومعين بسيسو ودرويش الأسيوطي ، إلى جانب
صالح جودت الذي كتب أربع قصائد ، وقد اخترتُ ثلاثا منها ضمن
هذا الكتاب.
>
إذا كان هذا الكتاب لا يضم أية قصيدة كتبت عن جمال عبد الناصر
خلال حياته، فإنه لا يضم كذلك أية قصيدة من الشعر المكتوب
بلهجات عامية أو شعبية ، لأن جمع هذه القصائد يتطلب كتابا
كبيرا خاصا بها ، ويكفي أن أشير هنا إلى القصيدة المطولة
الرائعة التي كتبها شاعر العامية الكبير فؤاد حداد، بعنوان
«استشهاد جمال عبد الناصر» وقد صدرت هذه القصيدة في كتاب عن
دار المستقبل العربي بالقاهرة ، وهي «قصيدة رثاء» - مطولة -
كتب منها الشاعر جزءين، الأول «مصر وجمال» في أيام متفرقة من
نوفمبر 0791 والثاني «لازم تعيش المقاومة» أتمه في يناير 1791
..»
>
في ديوانه الخامس «نار وأصفاد» يوحي لنا الشاعر الكبير محمود
حسن إسماعيل بأنه قد كتب إحدى قصائد هذا الديوان، وهي قصيدة
«البعث» في نفس اليوم الذي قامت فيه ثورة 32
يوليو 2591، ومطلع هذه القصيدة:
ما بين طيف الكري أو لمحة البصرِ
كانت خطاك لهم أمضىَ من القدرِ
وبعيدا عن هذا الإيحاء ، أحب أن أشير هنا إلى أن أول من كتب
قصيدة في رثاء جمال عبد الناصر - على ضوء ما بحثتُ - هو الشاعر
العربي اليمني الكبير الدكتور محمد عبده غانم ، والقصيدة
بعنوان «دمعة على جمال» وقد كتب الشاعر مكان وتاريخ كتابتها
وهو «عدن - 92 سبتمبر 0791» ، ويشتمل ديوان محمد عبده غانم -
الصادر عن دار العودة ببيروت في سنة 1891 على هذه القصيدة (ص
493) كما أنها ضمن قصائد هذا الكتاب «جمال عبد الناصر - الزعيم
في قلوب الشعراء».
>
لمحمد مهدي الجواهري قصيدة بعنوان « أيها الفارس » وقد «..
كتبها الشاعر في سجل التعزية الذي فتح في دار السفارة المصرية
في براغ ، غداة وفاة عبد الناصر ».. كما أنها « نشرت في جريدة
التآخي - عدد 565 - يوم 51 أكتوبر سنة 0791 » وهي موجودة ضمن
ديوان الجواهري بطبعاته العديدة ، وأحدثها وأفخمها طبعة «مؤسسة
بيسان» في بيروت.
>
لزكريا الحجاوي قصيدة مؤثرة بعنوان «لِمَ الإسراع في الرحيل؟»
وقد نشرتها مجلة «روزاليوسف» - عدد الاثنين 21 أكتوبر سنة 0791
، لكني لم أشأ أن أضمها إلى قصائد هذا الديوان، لأن بعض
أبياتها مختل الوزن، أما مطلعها الجميل فهو:
يا شهيد الحقيقة العربية
طبتَ حيا وطبتَ يوم المنية
>
تفضل الصديق الكاتب القاص السعودي خليل إبراهيم الفزيع، حيث
أهداني عدة قصائد جميلة، كتبها شاعران معروفان من شعراء
«المملكة العربية السعودية» هما حسين عرب وأحمد إبراهيم
الفزاري، وقد سعدت بهذه القصائد، لكنها لا تندرج ضمن موضوع هذا
الكتاب، لأنها تشيد بالزعيم جمال عبد الناصر خلال حياته، ولم
يكتبها الشاعران بعد رحيله عن عالمنا، بينما قصائد هذا الكتاب
مخصصة كلها - كما قلت- لرثاء الزعيم الخالد.
>
خلال زيارتي للبنان ابتداء من يوم
41
أغسطس - آب سنة 2002، وكنت قد فرغت تماما من إعداد هذا الكتاب،
التقيت مع الصديق الشاعر «لامع الحر» الذي نبهني إلى ثلاث
قصائد قيلت في رثاء الزعيم الخالد، إحداها لوالده الشيخ عارف
صادق الحر، والثانية له رغم أنه كان صغيرا في العمر وقتها،
والثالثة - للشاعر محمد علي الخطيب، كما عثرت في أحد الدواوين
الصادرة حديثاً عن مكتبة بيسان، وهو ديوان «عبير الوادي»
للشاعر العربي البحريني أحمد محمد آل خليفة، على قصيدتين في
ذكرى عبدالناصر.. وكان لا بد من تعديل مادة هذا الكتاب حتى
يتسنى لي أن أضيف ما أضفت بالفعل.
>
يستطيع القارئ ، من خلال فهرس هذا الكتاب ، أن يعرف القطر
العربي الذي ينتمي إليه كل شاعر عربي ، ممن اخترتُ لهم قصائد
في رثاء الزعيم الخالد ، هذا إذا كان القارئ لا يعرف . وهنا
أشير إلى أن شعراء مصر هنا هم ثلاثة وخمسون شاعرا ، وأن شعراء
سوريا عشرة شعراء ، وشعراء اليمن سبعة وشعراء لبنان ستة،
وشعراء فلسطين خمسة وشعراء السودان ثلاثة ، وهناك شاعران من كل
قطر من الأقطار العربية التالية : الكويت والأردن والعراق
وشاعر واحد من ليبيا وكذلك من قطر والبحرين، وبهذا يكون مجموع
الشعراء العرب ثلاثة وتسعين شاعرا كما ذكرت من قبل
.
«
ح. ت
»
|