السيرة الذاتية

تهمة العاشق
 
شعر : حسن توفيق



عاشقٌ يسأل الناسَ من شوقه للديار البعيدة

- كيف حال البلاد؟

إنها تلبس الآنَ ثوبَ الحداد

منذ أَن أُودعَ الحبُّ سجنَ المكيده!

صادر الجندُ دفءَ الحليبِ الذي في صدور النساء

صادروا دميةً من يد الطفلة الحلوة الراقدة

صادروا نسمةَ في جبين المساء

أغلقوا لهفةَ الشوق للشمس في ليلة باردة

حاصرَ الصمتُ كلَّ الكلام الذي لم يَقْلْه الشقاء

والوجوه الكئيبة في كهفِ أسيادِهَا تستبيحُ دمَ الأبرياء

والذي يعشقُ النورَ تطحنه الظلمةُ الحاقدة

كلُّ ما قد بنيناه ينهارُ في لحظةٍ واحدة!


 كيف حالُ القمر؟

لم يعدْ أحدٌ يشتهيه.. فخابتْ رؤاه.. وغاب


- كيف حالُ الشجر؟

بعثر الجندُ أغصانَه ثم عادوا ليلقوا على الأرضِ ظلَّ الخراب


- كيف حالُ المطر؟

إنه مقبلٌ.. نحن نرقبه.. إنما في ارتياب


- كيف حالُ الزمن؟

إنه الآن مستنقعٌ خاشعٌ لجلالِ الوثن


- كيف لم ينتبه أحدٌ.. وارتضى الكلُّ هذا السواد؟

ابتعدْ أيها العاشقُ الآن من قبل أن يُقبلَ العسكرُ الهائجون

ابتعدْ.. قبل أن تحتويك السجون

مستباحاً.. ومتهماً بالفساد

 

الشاعر حسن توفيق


- شاعر وكاتب مصرى ولد فى القاهرة يوم 31 أغسطس سنة 1943 
- حاصل على درجة الماجستير في الأدب العربي. قسم اللغة العربية – كلية الآداب
– جامعة القاهرة سنة 1978
- نال جائزة الدولة التشجيعية في الشعر عن ديوان ( انتظار الآتي ). مصر. سنة
1990 
نال جائزة أفضل قصيدة عن مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع
الشعري سنة 1991
- عضو الجمعية الأدبية المصرية منذ سنة 1966
- عضو دار الأدباء بالقاهرة منذ سنة 1967
- عضو رابطة الأدب الحديث بالقاهرة منذ سنة 1971
- عضو مؤسس لاتحاد كتّاب مصر منذ إنشائه وحتى الآن
- ترجمت مجموعة من قصائده إلى اللغات الإنجليزية والإسبانية والفارسية
والروسية
- تمت ترجمة كتابه ( ليلة القبض على مجنون العرب – مقامات عصرية ) إلى اللغة
الفرنسية، وستطبع الترجمة في المغرب قريباً
- شارك في العديد من الملتقيات والمهرجانات الأدبية العربية في عواصم ومدن
عربية شرقية ومغاربية
  10عمل رئيسا للقسم الثقافي بجريدة الراية القطرية منذ صدور عددها الأول يوم
مايو سنة 1979

- مؤلفاته :
* أولاً : الشعر
1. الدم في الحدائق : 1969م
2. أحب أن أقول لا : 1971م
3. قصائد عاشقة : 1974م
4. حينما يصبح الحلم سيفاً : 1978م
5. انتظار الآتي : 1989م
6. قصة الطوفان من نوح إلى القرصان : 1989م
7. وجهها قصيدة لا تنتهي : 1989م
8. ما رآه السندباد : 1991م
9. ليلى تعشق ليلى : 1996م
10. الأعمال الشعرية : 1998م
11. عشقت اثنتين : 1999م
12. بغداد خانتني : 2004م
13. وردة الإشراق : 2005م
14. أحبك أيها الإنسان2008
* ثانياً : مقامات عصرية
1. مجنون العرب بين رعد الغضب وليالي الطرب : 2004
2. ليلة القبض على مجنون العرب : 2005

* ثالثاً : دراسة وتحقيق
1. اتجاهات الشعر الحر : 1970
2. إبراهيم ناجي - قصائد مجهولة : 1978
3. شعر بدر شاكر السياب – دراسة فنية وفكرية : 1979
4. أزهار ذابلة وقصائد مجهولة للسياب : 1980
5. جمال عبد الناصر – الزعيم في قلوب الشعراء : 1996
6. الأعمال الشعرية الكاملة للدكتور إبراهيم ناجي : 1996
7. الأعمال النثرية الكاملة للدكتور إبراهيم ناجي (مجلدان) : 2001
8. رحلات شاعر عاشق : 2001
9. مختارات من الشعر العربي في القرن العشرين– القسم الخاص بشعراء قطر. مؤسسة
البابطين. الجزء الثالث : 2002
10. جمال عبد الناصر– الزعيم في قلوب الشعراء– طبعة شاملة وموسعة : 2002
11. الأعمال الشعرية المختارة للدكتور إبراهيم ناجي : 2003
12. رحلات جديدة على أجنحة الحب والشعر : قيد الطبع
 

فــــي الشــــــتاء.. تولـــــد القصــــــيدة


فقرات من مقدمة الأعمال الشعرية لحسن توفيق


في أمسية ما من أمسيات مطلع كل شتاء، وحين أكون خارجا لتوي من البيت إلى أية وجهة أود أن أقصدها، يفاجئني شعور غريب، تمتزج فيه الدهشة بالوحشة والنشوة بالأسى، حيث أشعر أن الهواء من حولي والذي يتسلل إلى رئتي محمل برائحة الشجن أدرك على الفور ان موسم كتابتي للشعر قد أطل، فيفرح القلب فرحا طفوليا جامحا، وقد تولد قصيدة في الليل بعد عودتي إلى البيت، وبعد أن تكون ملامحها الأولية قد تشكلت في أعماقي خلال وجهتي التي أود أن أقصدها، بل إنني قد ألغي تماما ما أود أن أتوجه إليه لأنطلق إلى شاطىء بحر أو إلى أقرب حديقة، حيث أظل اتخيل الملامح المرتقبة للقصيدة قبل أن تولد، وكيف يتعانق الحرف مع الحرف وتتلاحق السطور، سطرا وراء سطر، مثلما تتلاحق الأمواج، موجة في إثر موجة.
قد يكون هناك ارتباط ما في ذهني بين الشعر والشتاء، وقد يكون الأمر مجرد مصادفة، ولكن هل يمكن أن نسمي المصادفة مصادفة إذا كانت تتكرر معي - بصورة شبه منتظمة - مع مطلع كل شتاء؟! وقد يكون الشعور الغريب الذي يفاجئني في أمسية ما من أمسيات مطلع كل شتاء، هو نفس الشعور الذي يفاجىء غيري من الشعراء، وقد تكون لآخرين من الشعراء طقوسهم الخاصة التي يتهيأون لها أو تتهيأ لهم عندما يستهل كل منهم موسم كتابته لشعره، لكن ما استطيع تحديده فيما يتعلق بي هو أن الشعر يواجهني بروحه العذبة والمعذبة حين أواجه مطلع الشتاء كل عام، مستنشقا في الهواء رائحة الشجن، وكأني أختزن طيلة فصول السنة الأخرى ما أختزنه من تجارب أو مواقف أو صور، إلى أن أواجه فصل الشتاء، فينبثق من الأعماق ما كنت أختزنه، متجاوبا مع عاصفة فجائية أو زخات مطر أو بروق ورعود!لكن هذا لا يعني أن أتوقف تماما عن كتابة الشعر في فصول أخرى غير فصل الشتاء ، فهناك قصائد كتبتها على امتداد رحلتي مع الشعر في تلك الفصول الأخرى، لكنها لاتشكل القاعدة العامة وإنما تشكل الإستثناء، ومن هنا أجد نفسي مندهشا ومتعجبا حين يفاجئني الشعر في الصيف، تماما مثلما نجد أنفسنا مندهشين ومتعجبين عندما تمطر السماء أحيانا في فصل  الصيف.
***                           
ولدت قبل أن تخمد نيران الحرب العالمية الثانية بما يقرب من عامين. وإذا كان لابد من التحديد، فإني ولدت يوم 31 أغسطس عام1943 في حي شعبي أصيل من أحياء قاهرة المعز، هو حي شبرا، ولم يكن في البيت الذي ولدت فيه كتاب واحد، لكني أذكر جيدا أن ولعي بالشعر بدأ مبكرا، منذ المرحلة الإبتدائية التي قضيتها في مدرسة الشماشرجي، فقد كنت أقبل على حفظ كل النصوص المبثوثة في كتب اللغة العربية بمتعة ما بعدها متعة، أما الأصوات المتناسقة الجميلة فكانت تأسرني، كما كانت الموسيقي تطربني دون أن أستطيع تفسير سر طربي، وأذكر أن حماسة جارفة ومبهمة كانت تغمرني وأنا في طريقي الى المدرسة كل صباح حين أستمع إلى ما تبثه »راديوهات« المقاهي من الأغنيات الوطنية والعاطفية، ولم تزل أصداء أغنيتين وطنيتين في ذاكرتي الى اليوم وهما أغنية »يا مجاهد في سبيل الله.. جه اليوم اللي بتتمناه..« وأغنية أو قصيدة » أخي جاوز الظالمون المدى«.. وحتي الأن فإني لا أعرف من الذي كتب كلمات الأغنية الأولي، ولا من الذي كان يغنيها وان كنت أتصور أن غناءها كان جماعيا، وفيما يتعلق بالأغنية - القصيدة الثانية فإني لم أكن أعرف علي محمود طه ولا محمد عبدالوهاب، ولا أن حرب فلسطين - عام النكبة 1948 - قد بدأت وانتهت، وإن كنت أتذكر أن رجلا صارم الملامح كان يقوم بطلاء فوانيس الشوارع باللون الأزرق، وكانت تلك الفوانيس تعمل بالغاز، مثل »الكلوبات« التي يبدو أنها قد انقرضت أو أوشكت على الإنقراض، ولم أكن أعرف أن طلاء الفوانيس باللون الأزرق يعني الاستعداد لإتقاء أية غارات جوية محتملة.
في المرحلة الإعدادية التي قضيتها في مدرسة السيدة حنيفة السلحدار بشبرا كان ترتيبي الأول دائما في مادة اللغة العربية، ولهذا كان مدرسو تلك المادة يفاخرون بي عادة عندما يأتي المفتشون أو خلال المناظرات بين أوائل الفصول الدراسية، وعلى صعيد الأحداث الوطنية أتذكر أن »راديوهات« المقاهي كانت تجلجل ذات صباح، وأنا في طريقي إلى المدرسة، وكان الصوت الحماسي الهادر والصادر من تلك »الراديوهات« يقول »..من أجل مصر وقعت معاهدة 1936 ومن أجل مصر أعلن إلغاء هذه المعاهدة..«.. فيما بعد علمت ان الصوت الحماسي الهادر كان صوت زعيم الوفد مصطفي باشا النحاس... لكني - وقتها - تأججت بالحماسة وأنا في طريقي إلى المدرسة. أما الحدث الأهم الذي عايشته بكل دقة، فقد كانت الإسكندرية مسرحه. كانت الوزارة كلما تنتقل إلى الاسكندرية خلال شهور الصيف أيام الملك فاروق - آخر ملوك أسرة محمد علي باشا وكان أبي شرطياً في حرس الوزراء، وتوجهت إليه وحدي -لأول مرة- من القاهرة إلى الأسكندرية، وحين ركبت الترام الدائري ودفعت الستة مليمات أجرة التذكرة فوجئت بالركاب -الكبار يندفعون ليطلوا من نوافذ الترام، صائحين: »..اللواء محمد نجيب..« وفي المساء قادني أبي إلى قصر رأس التين، وشهدت خروج الملك فاروق متوجها بـ» المحروسة« إلى ايطاليا، وكان ذلك المساء البعيد هو مساء 26 يوليو عام 1952.
أتيح لي بعد ذلك أن أشاهد اللواء محمد نجيب وهو عائد إلى بيته، والسبب أن أبي كان أحد حراسه الشخصيين، وأذكر أني لعبت الكرة عدة مرات مع »علي« ابن محمد نجيب ومع أبناء أحد جيران محمد نجيب، وهو المصور محمد كريم، وكان في مكتبة هذا المصور كتب كثيرة، لكني كنت أدمن اعادة تقليب صفحات كتاب ضخم فاخر ملىء بالصور عن الحرب العالمية الثانية، وكنت أتوقف كثيرا أمام صور أدولف هتلر المبثوثة في ثنايا ذلك الكتاب، ومن أغنيات تلك المرحلة والتي كانت تشدني أغنية »ع الدوار..ع الدوار.. راديو بلدنا يجيب أخبار« وأغنية »بالاتحاد والنظام والعمل«... أما القصيدة التي كنا نرددها كل صباح في طابور مدرسة السيدة حنيفة السلحدار، فقد كانت قصيدة »مصر التي في خاطري وفي فمي..« لأحمد رامي، وفي المساء كنت أجلس على حافة نافذة حجرية في شقة البيت لأرهف السمع إلى أغنية »ياليل يا اسمراني.. يا اسمراني ياليل« ووقتها كنت أتصور الليل عملاقا أسمر يهبط من الأفق ليجوب الشوارع!
***                                    
نقلتان جديدتان في حياتي.. الأولى أورثتني إحساسا حادا بمعنى الفقد، والثانية أكسبتني خبرات أولية أسهمت في تشكيل مكوناتي العقلية والنفسية.
النقلة الأولى تتمثل في الأنتقال من حي شبرا الذي أحببته وألفته إلى حي آخر شعبي هو حي الشرابية، فقد كان الإنتقال اضطراريا، حين قامت محافظة القاهرة بإزالة بيوت ثلاثة شوارع متوازية، ليتألف من تلك الشوارع شارع واحد كبير هو شارع أحمد حلمي، وكان المنزل الذي ولدت فيه (7 شارع سكر المتفرع من أرض الطويل) أحد البيوت التي أزيلت، وهكذا كان لابد من البحث عن أصدقاء جدد في الشرابية، لكنهم لم يعوضوني عمن نشأت معهم في شبرا، وأذكر أني كنت بين حين وآخر أذهب وحيدا إلى شارع أحمد حلمي، وأستشعر نوعا من الفقد الرومانسي وأنا أرى حركة السيارات فوق أرض المنزل الذي شهد مسقط رأسي والذي لم يعد له وجود!...اما النقلة الثانية فتتمثل في الإنطلاق من المرحلة الإعدادية في مدرسة السيدة حنيفة السلحدار إلى المرحلة الثانوية التي قضيتها في مدرسة روض الفرج الثانوية،وخلال تلك المرحلة (58 - 59 - 1960م) كان صوت الزعيم الخالد جمال عبدالناصر يأسرني ويأسر معظم أبناء جيلي، كما عايشنا إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة - أول وحدة في تاريخ العرب الحديث - وعايشنا كفاح الجزائر من أجل نيل الاستقلال وثورة العراق في 14 يوليو - »تموز« -،1958 كما عايشنا ملحمة بناء السد العالي - العظيم.. وفي تلك المرحلة كان أبناء جيلي يتعلقون بصوت غنائي جديد هو عبدالحليم حافظ أما أنا فكنت استغرق في أحزاني المبهمة مع فريد الأطرش. وقد شهدت تلك المرحلة بدايات تعلقي الجارف بالشاعر الأول الذي سكن قلبي، وهو ابراهيم ناجي، حيث حفظت عن ظهر قلب كل قصائد ديوانيه » وراء الغمام« و »ليالي القاهرة« باستثناء قصائد المديح والإخوانيات والهجاء التي كنت أنفر منها. كما أهداني أحد أصدقائى ديوان »قرارة الموجة« لنازك الملائكة، واشتريت من مصروفي الخاص الضئيل مجلدا جميلا يضم مختارات من شعر عمر أبو ريشة وديوان » أنت لي« وقصيدة » سامبا« لنزار قباني، كما اشتريت ديوانا صغيرا، كان ثمنه 12 قرشا مصريا، لكنه كان بمثابة كنز رائع، هذا الديوان هو ديوان »أشواق إنسان« لعبدالرحمن الخميسي والذي يضم إلى جانب قصيدة طويلة عن جميلة بوحيرد قصائد رومانسية آية في الجمال والرقة. ولم يكن طموحي في قراءاتي الشعرية مقصورا على الشعر العربي ، فقد حصلت خلال تلك المرحلة على دواوين كاملة من الشعر الانجليزي، من بينها الأعمال الكاملة لوليم بتلرييتس وت. س. اليوت ود.هـ أودن وستيفن سبندر ولوي ماكنيس، ويرجع الفضل في حصولي عليها إلى أحد أساتذتي وهو ماهر ميخائيل الذي كان عائدا من بعثة لدراسة الأدب الإنجليزي في لندن ومن الأشياء الطريفة أني كتبت قصيدة باللغة الأنجليزية، وقام الأستاذ ماهر ميخائيل بنشرها في مجلة المدرسة المطبوعة. وما دمت ذكرت أستاذ اللغة الإنجليزية فلا بد أن أذكر أساتذة آخرين، حاولوا أن ينموا اهتماماتي السياسية والأدبية، وهم كمال نشأت ( الشاعر والدكتور فيما بعد) وصبحي شكري ومحروس سليمان وبانوب فريد ومن خلال مكتبة المدرسة كنت أقرأ بانتظام مجلة »الآداب« البيروتية التي يرأس تحريرها د. سهيل إدريس، وقد عرفتني تلك المجلة المهمة برواد الشعر الحر، حيث أخذت أقرأ ما أقرأ وأحفظ ما أحفظ من قصائد بدر شاكر السياب ونزار قباني وصلاح عبدالصبور وخليل حاوي وخليل خوري ونازك الملائكة. ومن خلال سور الأزبكية اشتريت الكثير من أعداد مجلة »أبولو« الشعرية العظيمة التي كان يصدرها د. أحمد ذكي أبو شادي، حيث أخذت أحفظ قصائد عديدة لشعراء أبولو، منهم إبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل وعلي محمود طه وحسن كامل الصيرفي، ومن المجلات التي فتحت آفاقي مجلة » كتابي« و »مطبوعات كتابي« فقد أسهمت في تعريفي بأدباء وشعراء وفنانين عالميين. أما مكتبة شبرا - وهي فرع من فروع دار الكتب الرئيسية بباب الخلق - فإني كنت مترددا دائما عليها، حيث كنت أستعير منها ترجمات »دار اليقظة السورية« لروايات تولستوي ودوستويفسكي.
أضحك الآن من نفسي، حين أتذكر أني - على صعيد الاهتمامات السياسية -كنت أجمع بين متناقضات، إذ كيف يمكن أن يعجب الإنسان - في آن واحد - بهتلر ولينين وغاندي؟!.. إنها مرحلة العبث مع الأمواج قرب الشاطىء قبل أن يتعلم الإنسان السباحة، ثم يحدد وجهته ومقصده.
النيل في روض الفرج كان متعتي الوحيدة في تلك المرحلة، حيث كنت أؤجر قارب تجديف - بقرشين في الساعة - كل يوم اثنين وكل يوم خميس بالاشتراك مع أحد زملائي من طلبة المدرسة، وهو محمد حجازي، ولم يكن هو ولاأنا نعرف شيئا عن السباحة ، لكن جرأة السن المبكرة كانت تجعلنا ننطلق بالقارب إلى عرض النيل، حيث تلوح ملامح حي إمبابة!.. أما الصديق الذي كنت أقرأ له ويقرأ لي ما يروقنا فهو فتحي عبدالحافظ .. وانقضت المرحلة الثانوية حيث كان ترتيبي الأول على منطقة القاهرة الوسطى التعليمية، وكان فتحي هو الأول مكرر
***خضنا - فتحي وأنا - سنة فاشلة على المستوى الدراسي، ولكنها سنة دسمة حقا على مستوى التحصيل الأدبي والثقافي العام، فقد أجبرته أسرته وأجبرتني أسرتي على أن نلتحق بكلية تجارة القاهرة، والتحقنا بها بالفعل، لكننا تمردنا تمردا سريا، حيث كنت انطلق من البيت إلى مكتبة جامعة القاهرة كل يوم، بينما كان فتحي ينطلق يوميا إلى دور السينما، وفي المساء نتلاقى - في بيت أسرته أو بيت أسرتي - بحجة المذاكرة، بينما نحن في الحقيقة نقرأ الشعر - أنا - أو نتحدث عن موضوعات الأفلام - هو -... وكانت نتيجة التمرد السري أننا رسبنا آخر السنة بجدارة، حيث لم ننجح إلا في مادة » المجتمع العربي« والتي كانت - فيما يتعلق بنا - مجرد ثقافة عامة خلال السنة التي قضيتها لا في كلية تجارة القاهرة، وانما في مكتبة جامعة القاهرة قرأت بنهم لا يعدله نهم دواوين شعراء عرب كثيرن، وأذكر أني كنت أنقل بالكامل بعض تلك الدواوين، ومن بينها ديوان »أغاني المدينة الميتة« لبلند الحيدري، والذي سعد من الأعماق - فيما بعد - عندما اطلعته عليه وهو بخط يدي، حين كان يزور القاهرة - عام 1968 - للمشاركة في أحد مؤتمرات الأدباء العرب.
بعد التمرد السري انطلقنا - فتحي وأنا -إلى قسم اللغة العربية بآداب القاهرة، حيث تخرجنا في يونيو عام 1965 بعد أربع سنوات حافلة بالكفاح والنجاح داخل الكلية وخارجها.
خلال تلك السنوات كان لنا أساتذة رائعون من الكبار المرموقين ومن الشباب الجادين.. من أكبر من تلقينا العلم على أيديهم الأستاذ مصطفي السقا والدكتور خليل نامي، ومن أصغر من تلقينا العلم على أيديهم - إن لم تخني الذاكرة - الدكتور عبدالمحسن بدر والدكتورة نبيلة ابراهيم، وبين الكبار عمرا والصغار كان هناك أساتذة أجلاء كثيرون.. الدكتورة سهير القلماوي - الدكتور شوقي ضيف - الدكتور شكري محمد عياد - الدكتور يوسف خليف - الدكتور حسين نصار.
بعد أن قرأت أستاذتي العظيمة د. سهير القلماوي مجموعة من قصائدي أبدت إعجابها بها، فأصبحت الطالب المدلل لديها، وكان هذا مثار فخر لي بين أصدقائي وزملائي، وكانت أستاذتي العظيمة أول من قدمني باعتباري شاعرا في »كتابات جديدة« بالبرنامج الثاني في الإذاعة، وأذكر أنها قد عقدت مقارنة بيني وبين الشاعر الأمريكي إدجار آلان بو، والذي كنت قد سمعت عنه دون أن أكون قد قرأت له، وهذا ما يدفعني اعتبارا من اليوم التالي لتسجيل البرنامج الى البحث عن قصائده حيث فرضت على أصدقائي قصيدة من تلك القصائد هي قصيدة »الغراب« The raven.
وقد حفظت هذه القصيدة بلغتها الإنجليزية دون استيعاب لبعض معانيها إلى أن اكتشفت أن الدكتور محمد مندور قد بثها مترجمة إلى العربية في أحد كتبه أما أستاذي الدكتور يوسف خليف، فعلى الرغم من أنه لم يكن يحب الشعر الحر الا أنه كان يشجعني تشجيعا أبويا رقيقا ، بل مفرطا في الرقة، وكان يرى أن شعري الرومانسي هو امتداد جديد لشعره ولأشعار أبناء جيله.
وأما أستاذي الدكتور عبدالمحسن بدر، فعلى الرغم من أنه كان من أشد المتحمسين للشعر الحر إلا أنه كان ينقد ما أكتبه نقدا حادا، بل جارحا، وكان يرى أن من الضروري أن أتخلص من رومانسيتي لكي أصبح شاعرا واقعيا، ومع هذا فإني كنت أزوره في بيته بالمعادي مرة أو مرتين كل أسبوع، بصحبة فتحي عبدالحافظ، حيث نستفيد من قراءاته التي يشرحها لنا باستفاضة، وقد نستعير بعض الكتب التي تحفل بها مكتبته، وفي كثير من الأحيان كنا نلتقي في بيته مع أصدقائه من أبناء جيله، وأذكر منهم عبدالجليل حسن - محمد أبو المعاطي أبو النجا - سليمان فياض - غالب هلسا.
أنشطة أخرى عديدة كنت أشارك فيها أو أمارسها خارج أسوار الجامعة.. كنت محبا للصحافة، وهذا ما دفعني للتعرف على الأستاذ أحمد بهجت في مبني » الأهرام« القديم، وهكذا أصبحت أصغر أفراد »شلة« أحمد بهجت، أما أكبرنا فكان الاستاذ عبدالسلام شهاب الذي كنا نسميه »عم شهاب« وكان الفنان العبقري صلاح جاهين يزاحمنا فيزحمنا بخفة دمه وبروعة فنه في مكتب أحمد بهجت، ومن خلال الإثنين - جاهين وبهجت - انفتح الطريق أمام شعراء العامية ونقادها، وتعرفت بكل من عبدالرحمن الأبنودي وسيد حجاب وعبدالرحيم منصور وسيد خميس، كما تعرفت لا في مكتب أحمد بهجت وإنما في بيته بالفنان الرائع سيد مكاوي الذي كان يسكن في نفس العمارة التي يسكن فيها أحمد بهجت في حي عابدين.
وفي حي عابدين كنت أقود كثيرين من زملائي وزميلاتي إلى مقر الجمعية الأدبية المصرية في شارع قولة، خاصة إذا كنت سألقي قصيدة في إحدى الأمسيات الشعرية، وكان مقر الجمعية أشبه بسرداب طويل ترص فيه الكراسي، وهناك أترك المجال لإحدى زميلاتي - الزميلة نبيلة إبراهيم جاب الله -التي كتبت تصف المقر في كشكول أعتز به حقا، لأنه يضم إلى جانب ما كتبته هي كتابات أخرى لزميلات وزملاء مرحلة الدراسة الجامعية، وأذكر منهم جابر عصفور (الدكتور فيما بعد) - فتحي عبدالحافظ - مصطفي كامل هارون - فريدة عيد حسن مرعي - زينب عبدالغني - ثريا فارس الجندي - رباب موسى الدروي - مديحة رفعت.. كما يضم هذا الكشكول تعليقين حول شعري، أولهما تعليق أستاذتي د. سهير القلماوي وثانيهما تعليق أستاذي د. يوسف خليف... أترك المجال لنبيلة إبراهيم جاب الله، لكي تصف مقر الجمعية الأدبية المصرية... تقول: »...وهناك أيضا نشاطنا خارج الجامعة أو نشاطك الذي تصر على أن »تجرنا« وراءك فيه بالقوة، لنعبر بحيرات شارع قولة على أقدامنا وننتهي إلى شىء يشبه بالبيت، ونكاد نعود أدراجنا ولكن غضبك يرغمنا على الدخول لنسير في سرداب مظلم ثم نصعد بعض درجات متآكلة »من أقدام الشعراء« لنجد أنفسنا في مكان عرضه متر وطوله عشرة أمتار تقريبا، صفت فيه المقاعد الخالية فنحن الجمهور المظلوم المغلوب على أمره الذي سيحتلها.. ويلعب اللب والسوداني دوره في الترفيه عنا قليلا ونحن نتظاهر بالإنصات إلى ما يسمي بقصائد.. وتنظر إلينا شزرا لأننا لا نفهم في الذوق ولا نحترم المكان ونفسد الكلمات الشعرية الجميلة »بطرقعة« اللب... ولكن يكفي أننا حضرنا معك وتحملنا هذا الوابل من الأشعار... ثم يأتي دور شاعرنا الهمام فيشرق علينا بقصيدته التي نكون قد سمعناها مرارا وتكرارا وكدنا نحفظها كأغاني أم كلثوم.. وتتحرك الكاميرا المرافقة لموكب البؤساء لتسجل حركات وخلجات شاعرنا وهو ينطلق مغردا أمام روحية القليني«.
وبعيدا عن هذه الصورة الكاريكاتيرية، فإن الجمعية الأدبية المصرية قد أفادتني فائدة لا ينساها إلا الجاحد، ففي أمسياتها الشعرية وندواتها النقدية والثقافية كان أبناء جيلي ممن انتموا إلى تلك الجمعية يلتقون مع أبرز رموز الحركة الأدبية والثقافية ، حيث كنا نتلاقي لنستفيد ونستزيد من كل من صلاح عبد الصبور - فاروق خورشيد - د. عبدالقادر القط - عبدالرحمن الشرقاوي - د. أحمد كمال ذكي - د. أحمد حسين الصاوي - محمد عبدالواحد - ملك عبدالعزيز..
وكان مقهي »ريش« يمثل مكان التقاء حميم لأبناء جيلي من الشعراء والأدباء، وأذكر منهم محمد إبراهيم أبو سنة - أمل دنقل - يحيى الطاهر عبدالله - إبراهيم اصلان - عبدالحكيم قاسم. وممن يكبروننا محمد مهران السيد - عبدالمنعم عواد يوسف... وكان مقهي ريش يتحول هو أيضا إلي صورة كاريكاتيرية عندما يؤمه كل من عبدالوهاب البياتي ( وكان لاجئا سياسيا وقتها في مصر) ومحمد الفيتوري ( وكان مقيما في القاهرة) فقد كان حبل الود بينهما مقطوعا، وربما لم يزل مقطوعا إلى الآن، ولهذا كان كل منهما يختار أبعد نقطة عن الآخر ليحتل كرسيا فيها، وهكذا كان البياتي يجلس في أول المقهي إذا حضر قبل الفيتوري الذي عليه أن يجلس آخرها.. والعكس صحيح.. أما نجيب محفوظ - العظيم فكنا نتحلق حوله حين يأتي إلي المقهى ويجلس معنا لمدة ساعتين دون نقصان أو زيادة من السادسة إلى الثامنة مساء.
كان صلاح عبدالصبور أول من نشر لي قصيدة خارج حدود مصر ، حيث أرسل »القصيدة المصلوبة« - التي غيرت عنوانها فيما بعد ليصبح »من ليالي الفراغ« للدكتور سهيل إدريس الذي نشرها في »الأدب« البيروتية العريقية، وكان صلاح عبدالصبور ثاني من قدمني في الإذاعة - البرنامج الثاني - بعد د. سهير القلماوي.
أما رجاء النقاش فكان يوجهني - بمحبة آسرة - إلى مجالات النقد الأدبي، ويساعدني في تدبير أمور حياتي اليومية، وهكذا كان شأنه مع آخرين غيري من أبناء جيلي.
***                                       
من الجامعة إلى العمل الوظيفي.. بدأته بداية صعبة وقاسية، حيث عملت موظفا بإدارة المعاشات في وزارة الخزانة، وأصبح مشهد الأرامل والمسنين مشهدا يوميا مؤلما، ينبغي أن أتعامل معه، وظلت عدة شهور أتعذب، إلى أن يسرت لي الأمر أستاذتي العظيمة د. سهير القلماوي، فألحقتني بالعمل في ادارة المجلات بالهيئة العامة للتأليف والترجمة والنشر (الهيئة العامة للكتاب - الآن).. وقالت لي بحنو بالغ: ».. ياحسن.. ها تشتغل مع صلاح.. عايزاك تساعده..« وكان صلاح الذي تحدثته عنه دون ألقاب هو أستاذي الشاعر العظيم صلاح عبدالصبور الذي تشرفت بالعمل مديرا لمكتبه، وفتح لي قلبه وبيته، وكان شاعرا نبيلا حقا، وليس مثل المتوحشين الذين يزعمون أنهم شعراء
قراءتي في الشعر تكاد لا تنقطع.. وقراءاتي في التاريخ وعلم النفس والفلسفة وعلم الاجتماع تتواصل ... مشاهداتي للمسرح الراقي الذي كانت تقدمه الدولة تتزايد... إدماني على حضور الأفلام الأجنبية يترسخ.. حضور حفلات فرقة الموسيقي العربية بقيادة عبدالحليم نويرة واجب لا ينبغي التقصير فيه.. ويتوالى نشر قصائدي في مجلة » المجلة« التي رأس تحريرها د. عبدالقادر القط خلفا للعظيم يحيى حقي.. كما يتوالى نشر مقالاتي النقدية في مجالات عديدة، وفي جريدة »الأخبار« عن طريق أنيس منصور وفي جريدة »الجمهورية« عن طريق صلاح عيسي.. هل كنت أجمع بين نقيضين مثلما كنت أجمع بين هتلر ولينين وغاندي؟!.. لا بالطبع.. فقد كنت أعرف وجهتي... لكن علاقاتي الإنسانية كانت علاقات مرنة بغض النظر عن الاختلافات فيما يتعلق بالنظرة إلى الحياة وإلى السياسة، ومن هنا فإني أستطيع القول - مثلا - بأني كنت صديقا لصالح جودت في نفس الوقت الذي كنت فيه صديقا لابن جيلي أمل دنقل الذي كان المتنبيء الأول بكارثة نكسة يونيو - حزيران 1967والتي انعكست آثارها على كل أبناء جيلي، وصوروا أجواءها أصدق وأجمل تصوير، وأذكر منهم إلى جانب أمل دنقل - محمد ابراهيم أبو سنة - بدر توفيق - فاروق شوشة - نصار عبدالله (الدكتور) - يحيى الطاهر عبدالله - إبراهيم أصلان - جميل عطية إبراهيم.......
ولكن جمال عبدالناصر لم يكن مجرد رئيس عادي لدولة من الدول... كان أمة في فرد... وبقيادة الزعيم بدأت حرب الاستنزاف المجيدة التي لم يعش ليرى ثمارها، وإن كانت قد علمتنا جميعا أن هزيمة عسكرية في مرحلة من مراحل المواجهة مع عدو عنصري لا تعني انكسار إرادة الشعب.
في مساء يوم 28 سبتمبر عام 1970 وبعد فترة طويلة من تلاوة القرآن الكريم عبر موجات الإذاعة في مصر، جلست في مقهي بشارع التوفيقية مترقبا ومتوترا، وإذا بصوت مُقَنَّع بالحزن يقول: »أغلى الرجال..« وعلى الفور أدركت أن كارثتين قد حلتا بمصر وبالأمة العربية كلها... الكارثة الأولى رحيل جمال عبدالناصر... والكارثة الثانية تتمثل فيما قال: »أغلى الرجال..« .. وارتعت لمجرد أني تصورت أن صاحب الصوت المقَّنع بالحزن هو الذي سيخلف الزعيم التاريخي لمصر وللعروبة. وفي رثائهم لجمال عبدالناصر كان الشعراء العرب أسبق الجميع في التنبؤ بما حدث لمصر، حيث انقلبت الأوضاع تماما، خاصة بعد الثورة المضاضة يوم 15 مايو عام ،1971 وبعد أن كان الثوار من كل مكان يلجأون إلى مصر، أصبح من يلجأون إلى مصر من أمثال شاه إيران الذي خلعته الثورة الشعبية في إيران!
الحدث الإيجابي الوحيد الذي عايشته وعايشناه جميعا بعد رحيل جمال عبدالناصر يتمثل في حرب أكتوبر عام 1973 المجيدة، ولم يعمر هذا الحدث الإيجابي الوحيد طويلا، فقد أوقع حاكم مصر نفسه وأوقع معه مصر في فخ لعين، يسمونه توهما: »السلام«... ومن بعده تتابع السقوط في الفخ اللعين، وأصبح الكيان العنصري الصهيوني هو المتجبر المتنمر المتغطرس... وقد أثارني هذا السقوط واستثار روح الشعر في أعماقي، حيث تفجرت في هيئة قصائد ناقمة على كل ما جرى.
***                                     
في السادس من أبريل عام 1979كانت هناك نقلة جديدة في حياتي وانعكست بدورها على كتاباتي... قبل ذلك اليوم كنت أعشق مصر - بناسها وتربها ونيلها - عشقا بغير حدود، وكنت قد تجولت في معظم مدنها وقراها من خلال الرحلات الجماعية التي كان ينظمها د. شوقي حبيب، وهكذا أتيح لي أن أتجول جنوبا حتى أسوان وبحيرة ناصر وبلاد النوبة وأن أتجول شمالا حتي مرسى مطروح والإسكندرية ودمياط ورشيد وبورسعيد وبور فؤاد وأن أتجول غربا حتي الواحات الداخلة والخارجة، وشرقا حتي الغردقة والقصير.... وأحببت مصر بجنون.
وفي ذلك اليوم - يوم السادس من ابريل عام 1979 - ركبت الطائرة لأول مرة في حياتي، متوجها إلى الدوحة للعمل في جريدة »الراية« القطرية مع من اختارهم رجاء النقاش للعمل فيها معه، ولم يكن رجاء النقاش يتوقع أن أصمد طويلا في الدوحة وفي مناخ عمل صحفي يومي مرهق، لكني صمدت بدل السنة سنوات، وأصبحت الوحيد الذي شارك في »الراية« منذ صدور عددها الأول ومازال يعمل فيها حتي الآن. صحيح أني أحيانا أحزن حين أحس أن جذوري الثقافية والإنسانية قد صارت بعيدة، لكني - في كل اجازة سنوية وعلى امتداد شهر كل سنة - أحاول تجديد الصلات مع الجذور العريقة، أما أبناء الأجيال الجديدة فلا استطيع الزعم بأني أعايشهم وأتابعهم بصورة دقيقة متأنية. ما الذي شجعني على أن أظل في الدوحة بدل السنة سنوات؟... أمور كثيرة هي التي شجعتني، من بينها أن معظم الذين اختارهم رجاء النقاش - باعتباره أول مدير مؤسس لتحرير الراية - كانوا من أصدقائي، كما أن أصدقائي من طلاب قطر الذين كانوا يتلقون العلم في جامعات مصر أنهوا دراساتهم وعادوا للعمل في الدوحة، وهؤلاء جعلوني أتأقلم بسرعة مع حياتي الجديدةفي قطر ،  وفضلا عن هذا فإن البيت الذي أقيم به في الدوحة قد تحول مع مرور السنوات إلى مكتبة كبيرة، تضم إلى جانب الكتب والدراسات وداووين الشعر مجموعة ضخمة من أشرطة الفيديو والكاسيت للمطربين والمطربات من أبناء العروبة الذين أحبهم، وأشهر الباليهات العالمية التي أجد متعة روحية وأنا أتابعها من خلال تصوري أنها تشكل قصائد رائعة، لكنها قصائد حية وراقصة. وإلى جانب هذا فإن ما شجعني على أن أظل في الدوحة هو يقيني الراسخ بأن الأمة العربية أمة واحدة، بصرف النظر عن تنوع البيئات والعادات وبصرف النظر عن العنصرين والإقليميين الذين نجدهم في كل أرض عربية، فضلا عن تواصلي العميق مع الفنانين والشعراء والمثقفين من أبناء قطر. واذا كنت قد ركبت الطائرة من القاهرة الى الدوحة يوم السادس من أبريل عام 1979 لأول مرة، فإني ركبت الطائرة من الدوحة مرات عديدة متوجها الى أقطار عربية شقيقة. أذكر منها العراق واليمن والإمارات العربية وسلطنة عمان والمغرب، كما توجهت إلى دول أوربية هي بريطانيا وفرنسا وأسبانيا التي عشقتها - بحكم التاريخ والشعر والصداقات التي أنشأتها -مثلما أعشق أقطار أمتي العربية، وقد اتاحت لي زيارتي لتلك الدول الأوروبية أن أتجول في متاحفها الضخمة والفخمة، وهذا ما أضاف إلى رصيدي الإنساني أشياء كثيرة رائعة، تجلت في قصائد عديدة من شعري وفي مقالات نثرية من كتاباتي

لمعرفة أخبار الشاعر أدخل بريدك الالكتروني


 

جميع الحقوق محفوظة© تصميم وتطوير (مكتب الدوحة الدولي)