|
بحمقه
المعهود.. وأفقه المحدود.. تخيل مهبوش بن مرعوش.. أنه أقوى من
كل الوحوش.. فنظر حواليه باستعلاء وازدراء.. تجاه كل ما يراه
في الأرض والسماء.. وأراد أن ينزع الحب من قلوب الناس.. فتصادق
مع الوسواس الخناس.. لكي يتمكن من تحويل الكرة الأرضية.. إلى
غابة مرعبة دموية.. وهكذا جمع الذئاب والثعالب.. وتحالف مع
الأفاعي والعقارب.. ثم أمر بإطلاق حقده الدفين.. لكي يدك به
بيوت الآمنين.. كما أمر بإطلاق نار البراكين.. لكي يحترق النخل
في البساتين.. والويل كل الويل للمعترضين.. فمصيرهم هو القتل
أو الرمي في الزنازين.
شلّ
الخوفُ قلوب العصافير.. فلم تعد تغرد أو تطير.. ولم تعد تقفز
من غصن لغصن.. بعد أن أطل من عيونها الذعر وسوء الظن.. وهذا ما
أغاظ أحد العشاق.. ممن يحبون رحابة الآفاق.. فأخذ يدعوها
للغناء والانطلاق:
«ألاَ
طيري.. ألاَ طيري
وغنّي
يا
عصافيري»
فمنْ
غصنٍ إلى ثانٍ
يفوح
شذى الأزاهيرِ
ومن
أشواقِ أعماقي
أغانٍ
في مزاميري
ونورُ
الشرقِ في الدنيا
له
سحرُ الأساطيرِ
اقترب
من العاشق الطيب عصفور.. وقال له: لماذا أنت مسرور؟.. ألا ترى
أن الشر قد زاد عن الحد.. وأن السماء كلها برق ورعد؟... وبدلا
من أن تغرد العصافير على الأغصان.. تعالى في الجو نعيق
الغربان.. وبدلا من أن تنضج الفواكه والثمار.. شوهدت الخفافيش
تتعلق بالأشجار.. فقهقه من فرط النشوة مهبوش بن مرعوش.. وعلى
الفور نافقته صغار الجحوش.. فصفقت له بالحوافر والذيول.. وهي
تتمرغ فوق الوحول.. بينما لبست الحقول ثياب الحداد.. في كل أرض
السواد.. وتحدرت فوق خدود الفرات دموع.. وصرخ دجلة من قرارة
قلبه الموجوع.. وتحجرت الكلمات على شفاه النيل.. منذ أن غاب
عنه الفارس الأصيل.. فلم يستطع أن يساعد النهرين.. لأنه وجد
نفسه مقيد القدمين.
بالقرب من المدينة التي عشقها الرشيد.. أيام المجد العربي
التليد.. شوهد الألوف من الأبرياء العراقيين.. وهم يذوقون
ويلات الجحيم في الزنازين.. على أيدي القتلة والسفاحين.. ممن
أوهموا الآخرين.. بأنهم أرقى المتحضرين.. وعلى باب كل زنزانة..
تتلاقى نظرات كل سجان وسجانة.. والكل يرفع علامة النصر.. كأن
لهم مع المساجين أقدم ثأر.. مع أنهم جميعا غزاة أجانب.. تدربوا
على اللسع واللدغ في معسكرات العقارب.. منذ أن حوّل مهبوش بن
مرعوش الكرة الأرضية.. من واحات ظليلة وندية.. إلى غابة مرعبة
وحشية.
تلاحقت صور الفظائع الهمجية.. عبر القنوات الفضائية الأجنبية
والعربية.. حيث شاهد الجميع أجساد الأبرياء.. عارية إلا من
آثار التعذيب والدماء.. أو موصولة بأسلاك الكهرباء.. وتراءت
وجوه القتلة والسفاحين.. وقد تلذذ أصحابها بما ارتكبوه من إثم
مشين.. وهكذا ظهرت فظائع المحررين.. وتأكد الجميع أنهم من قطاع
الطرق المحترفين.. وبمجرد أن
بان
الزيف على حقيقته.. خرج مهبوش بن مرعوش إلى ساحة حديقته.. وأكد
أنه قد امتعض مما رآه.. وأنه لا بد أن يعاقب الجناة.. رغم أنه
هو الذي حركهم مع سواهم من المرتزقة الأجانب.. ممن تدربوا على
اللسع واللدغ في معسكرات العقارب.
مهبوش
بن مرعوش.. يتخيل أنه أقوى من كل الوحوش.. والحقيقة أنه
أخطبوط.. يحاول الإمساك بكل الخيوط.. ولهذا يريد تحويل الكرة
الأرضية.. إلى غابة مرعبة دموية.. تتنزه فيها الأفاعي مع
العقارب.. وتتعشى فيها الذئاب والثعالب.. على ما تبقى من يمام
وأرانب.. لكن الخاتمة المثيرة.. لهذه الحكاية القصيرة.. تؤكد
أن هذا الأخطبوط.. لا يدري أنه على وشك السقوط. |