|
أذاب
الحب قلب قيس.. وهو يتقلب بين الرجاء واليأس.. فمرةً يتذكر
لياليه السعيدة.. قبل أن تصبح ليلى بعيدة.. ومرةً يتعزى بكتابة
الشعر.. حين يضيق الصدر.. وينأى عنه الصبر.. ومرةً تدعو حالته
للإشفاق.. خصوصا حين تعصره الأشواق.. لليلى المريضة في
العراق.. وأخذ الحزن يتجمع ويتجدد.. بينما يهذي قيس ويتنهد:
يبوحُ
القلبُ دوماً باشتياقي
لليلايَ المريضةِ في العراقِ
أرى
جسداً تفتتهُ المآسي
على
أرضٍ تَئنُ من الشقاقِ
وتحلمُ بالنهار يبثُّ فيها
شموساً للتناغُمِ والتلاقي
ولكنْ
كيف يشفيها طبيبٌ
يدسُّ
السمَّ في جسدِ الوفاقِ؟
أنا
المجنون - ياليلى - أنادي
عليكِ
وقد نأى عنيِّ رفاقي
وانتِ
الآن في ظلماتِ بؤسٍ
يلفُّ
يديكِ في دمكِ المراقِ
بعد
أن قال قيس بن الملوح ما قال.. خرَّ مغشيا عليه في الحال..
فاندفع إليه صديقه مجنون العرب.. وقد استبدت به حالة من الهياج
والغضب.. وطلب من قيس أن يفيق.. وألا يبدو دائما كأنه غريق.
| يا
أخي قيس.. انهض وانفض عنك اليأس.. صدقني إن هذا الإغماء.. لا
يستفيد منه سوى الأعداء.. إننا نحتاج إلى التفكير.. لا إلى أن
تستسلم للتخدير.
-
لكني فقدت شهيتي لأن أتكلم.. ولم يبق لي إلا أن أهذي وأتمتم.
|
وأنا أطالبك حالا بالانتباه.. لكل ما تنطق به الشفاه.
- أية
شفاه تقصد يا مجنون؟
|
شفاه الجميع.. وفيهم من يحبون لليلى أن تستمتع بالربيع.. وفيهم
من يريدون أن تبدو لهم بمظهر خليع.. وفيهم كذلك من يدبرون لأمر
فظيع.
-
وأنا لا أتمنى إلا أن أستمع لليلى.. فهي الأحلى في حياتي
والأغلى.
|
سأحقق لك ما تريد.. أيها الشاعر الهائم الشريد.
تأكد
المجنون أن «الموبايل» على ما يرام.. فسجل عليه عدة أرقام.. ثم
أعطى «الموبايل» لقيس.. فاستمع إلى صوت أزاح عنه اليأس:
|
آلو.. أنا ليلى.. وأنت من تكون؟
- أنا
عاشق
التراب الذي تمشين عليه.. أنا قيس الذي يتمنى أن يفديك
بعينيه.. وقد أحببت أن أطمئن عليك.. متمنيا لو كنتُ الآن بين
يديكِ..
«يقولون:
ليلى بالعراق مريضةٌ
فياليتني كنتُ الطبيبَ المداويَا
فشاب
بنو ليلى وشاب ابنُ بنتها
وحرقةُ ليلى في الفؤاد كما هِيَا»
|
دائما تؤكد لي أن إحساسك صادق.. وهذا شأن الإنسان العاشق.. إن
الحركة هنا مرتبكة.. والرعب يكاد يشل الحركة.
- هل
بقربك الآن أحد؟
|
الغرباء الذين لا أعرفهم كثيرون.. والمخلصون في زنازين
السجون.. وهناك من يقولون إني لستُ عربية.. ومن يقولون إني
كردية.. وهناك من يرددون أني شيعية.. بينما يردد آخرون أني
سنية.
-
وأنتِ يا ليلى ماذا تقولين؟
| ألم
تعرفني يا قيس على امتداد السنين.. أنا كل هؤلاء أجمعين.. أنا
عربية وكردية وشيعية وسنية ومسيحية وصابئية.. أنا كل هؤلاء
أجمعين.. رغم العبث والعابثين.. ورغم كل الذين يريدون هدم
البيت.. ويعلنون هذا بأعلى صوت.
-
أحمد الله على أنك تقولين هذا يا غالية.. وإن كنت أحس أنك قد
صرتِ نائية.. وأحيانا أتوهم أنك قاسية.
«معذبتي..
لولاكِ ما كنتُ هائما
أبيتُ
سخين العين حرَّانَ باكيَا
معذبتي.. قد طال وجدي وشفَّني
هواكِ
فيا للناسِ قلَّ عزائيَا»
| يا
قيس بن الملوح.. يا حبيبي لا تترنح.. لقد أخبروك أن ليلى
تتأرجح.. وهذا كذب مبين.. فانهض بعزم لا يلين.
- إني
أحس بالانكسار.. بعد أن تأخر إشراق النهار.
|
النهار يشرق من القلب.. ما دام قلبك ينبض بالحب.
- حقا
ما أجمل الحب يا ليلى.
|
حاول أن تجعله يتجلى.. وهو لا يتجلى إلا بالعمل.. لكي ننتصر
على كل العلل.
- ما
دمتِ قد أكدتِ بصوتك الجميل.. أننا سنزيح من طريقنا كل رذيل
ودخيل.. فمن حقي الآن أن أتطلع للنهار.. رغم كل ما حولك من
دمار. |