|
لم
يعترف الثعلب بأنه قد حاد عن الحق.. ولهذا فإنه غاص في وحل
الشرق.. رغم كل مايحمله من رعد وبرق.. وأخذ الثعلب يتباهى أمام
الحشود.. وهو يؤكد أن بعض الأسود.. اصبحت تستقبله بالركوع
والسجود.. قائلةً له: أنت سيدُ هذا الوجود.. وإمعانا في
التضليل.. وزيادة ِمواكب النفاق والتطبيل.. قرر الثعلب أن
يتحول إلى طاووس.. بعد ان نصحه بهذا جاسوس مهووس.. وهكذا انطلق
مع القرد المنافق.. بعد أن تم رفع الأعلام والبيارق.. ودخل
الاثنان أحد المختبرات العلمية.. وبكل عجرفة وعنجهية.. أمر
الثعلب جميع العلماء.. بأن يحولوا ما يكسوه من فراء.. إلى
ريشات زاهية الألوان.. لكي ينفشها مزهوا حين يتمشى في أي
مكان.. وفي الحال نفذ العلماء المشيئة الثعلبية.. فخرج نافشا
ريشاته الذيلية.. وعلى رأسه تاج.. يتناسق فيه المرمر والعاج..
وينبثق منهما نور وهَْاج.
قرب
أحد
الآثار المزخرفة بالنقوش.. ضحك أحد الوحوش.. ضحكة خلعت قلب
الهواء.. وهو يكشف سر ثعلب أصبح بغير فراء.. لكنه يتباهى بريش
مزخرف.. رغم أنه يعرف أن الريش مزيف. وفجأة دخل الثعلب إحدى
الحدائق.. بينما صاح القرد المنافق.. بصوت منغم مدروس.. وقال:
مولانا الثعلب - الطاووس.. يتقدم بدعوة ثعلبية سامية.. إلى كل
الوحوش الضارية.. لكي تتناول معه ما لذ وطاب.. مما لم يرد وصفه
في أي كتاب.. ولديه «همبرجر» و«كوارع» و«مكبوس».. ومن المشروب
و«يسكي» و«عرق» و«عرقسوس».. والقصد من الوليمة معروف.. وهو
توزيع مالديه بالمعروف.. لكي تصبح الأرض واحة للعولمة.. وفق
خطة دقيقة ومحكمة.. وعلى ضوء هذه الحقائق.. لابد أولا من
القضاء على كل عصفور مارق.. والتهام كل خروف.. بعد الاستيلاء
على ما لديه من الصوف.
بينما
كان الثعلب يتباهى بأنه لا يُغلب.. أعادت القطط عرض ذيله
المقطوع في ساحة ملعب.. وأطلق رجل من
أصحاب
الحديقة.. قذيفة صائبة ودقيقة.. فاحترق ريش الثعلب الطاووس في
الحال.. وظل يصرخ: ويلي من الأنذال.. أما القرد المنافق.. فقد
وجه التهمة لعصفور مارق.. واهتمت القنوات الفضائية.. ببث رسالة
صوتية.. تشرح حقيقة ما جرى في الحديقة.. وتؤكد أن القذيفة ليست
من النيران الصديقة:
كان
طاووسا طائشا يتباهى بما لديه فتختال الزركشات
لم
يكن طيشا عابرا أنه لا يرى سواه
كم
تغنى بتاجه وتحدَّى الكائنات
أن
ترى غير ما يراه!
شبت
النار فجأة ثم مدَّتْ أكفهَّا فوق أغصان نائحة
فاكتوى الطاووسُ الذي كان يزهو بلفحة النار وارتدَّ مُبصراً
لم
يجدْ تاجَه على رأسه إذ تبعثرا
ورأى
اللوحةَ الجميلةَ شاهتْ مما ابتلتْهاَ به النارُ اللافحة
فوق
أرضٍ مُروَّعة
راح
هذا الطاووس يعدو قبيحاً وعارياً
وعلى
الأرض وردةٌ هَوَتْ إنما سرى العطر منها.. ما أروعَهْ
ورأيتُ الطاووسَ يعوي من العار شاكيا
رغم
ما بذله العلماء
من
جهد وما ضيعوه من وقت.. لم يتوصلوا إلى إجماع بشأن صاحب
الصوت.. فهناك من أكدوا ان الصوت صوت أرنب.. وهناك من أوضحوا
أنه صوت عقرب.. وقال آخرون إن الصوت مشوش ومذبذب.. بينما ذهب
غيرهم الى ان الصوت هو صوت الثعلب.. خصوصا ان الرسالة
الصوتية.. تحمل بعض الشفرات السرية.. وهكذا لم يتفق العلماء..
وتناقضت كل الآراء.
فجأة
شاهد المجنون.. ناسا كثيرين يتحاورون.. وقال أحدهم بصوت واثق..
لقد اطمأن الثعلب لرياء القرد المنافق.. أما الجاسوس.. فقد
اغراه بأن يتحوَّل إلى طاووس.. لكن ما كان يحلم به تحول الى
كابوس.. وهذا جزاء كل طامع وماكر.. يريد ان يتلهى بالمصائر..
ويريد أن يسرق ما يملكه الآخرون.. خصوصا إذا رآهم يلعبون.. أو
رآهم مع بعضهم يتشاجرون.. وعن صون حقوقهم يتقاعسون.. ولم يطل
بالمجنون حمل الهموم.. بعد أن أخذ يتأمل جمال النجوم.. وأخذ
الصوتُ الفضيُّ لفيروز.. يتردد بما يحمله من كنوز:
أعطني
الشايَ لنشربْ
عندما
نلمح كوكبْ
فارتشاف الشاي أبقى
من
أباطيلٍ لثعلبْ
أعطني
الشايَ وضَعْ لي
فيه
نعناعاً لنطربْ
إنما
الثعلبُ مكرٌ
مثلما
جاءَ سيذهبْ
ها هو
الحق ينادي
أين
أهلي يا بلادي
والعصافير تغني
رغم
أنياب الأعادي
وسماء
الشرق نورٌ
مشرقٌ
في كل وادي
فاحضنوا الحق وسيروا
صحبةً
نحو الرشادِ
فلتكن
للحق قوة
من
ينابيع الفتوَّة
ليس
لليأس مكان
ليس
للثعلب سطوة
أعطني
الشايَ لنشرب
وانعمِ الآن بغفوة
إنَّ
صبحَ الشرق آتٍ
بزمانٍ فيه صحوة
|