طار السمك.. ورأى النار فارتبك.. وسقط في الشبك

فضحت عيناه ما في قلبه من حقارة.. وقال وهو يتصنع الشجاعة والجسارة.. يسعدني اليوم أن أقدم لكم بشارة.. لقد اصطدنا ألذ سمكة.. بعد أن سقطت في شباكنا وهي مرتبكة.. ولن أشرح الآن شيئا من وسائلنا الكثيرة.. لكنني أؤكد لكم أن السمكة كبيرة.

تأكد الجميع - فيما بعد - من كذب الرواية.. بينما لم يصدق المجنون الحكاية منذ البداية.. فالمجنون يعرف أن السمك أنواع.. منها ما يكون قادرا على النهش والابتلاع.. ومنها ما هو طويل أو قصير.. وكبير أو صغير .. ومنها ما يتخفى عن العيون.. بفضل ما لديه من صدق في الظنون.. ومنها ما يتلون بلون خدَّاع.. لكي ينجو بنفسه إذا احتدم الصراع.. ويعرف المجنون أن المياه نفسها أنواع.. فمنها ما هو مر ومالح.. ومنها ما هو للشرب صالح.. كما أن السمك الذي يعيش في الأنهار.. يختلف عن الذي يعيش في المحيطات والبحار.. ولهذا لم يصدق المجنون ما قيل.. عندما تكلم رجل محنط وهزيل.. مدعيا أنه يقدم أحلى بشارة.. فإذا بعينيه تفضحان ما في قلبه من حقارة.

الحكاية الحقيقية باختصار.. أن الأخطبوط الجبار.. ومعه الفك المفترس الغدّار.. عقدا اجتماعا تلو اجتماع.. وبأسلوبهما في التضليل والخداع.. أقنعا مجموعات من الأسماك التي تعيش في المحيطات.. أن تتحرك بأقوى زعانفها إلى أبعد المسافات.. حتى تحيا في ثبات ونبات.. وتنجب البنين والبنات.. وهكذا انطلقت الأسماك الأجنبية.. بكل غفلة وبسوء نية.. واندفعت من المحيط البعيد.. لكي تستولي على ماء نهر لا يفنى ولا يَبيدِ.. ولم تتذكر هذه الأسماك.. قوانين الأرض والأفلاك.. ولم تعرف أن الماء العذب لا يصلح لحياتها.. وبالتالي لا تستطيع أن تعقد عليه آمالها وأمنياتها.. ففوجئت الأسماك الأجنبية.. بأن مجموعات منها أصبحت مشوية أو مقلية.. وكل هذا بسبب أطماعها الغبية.. فهي التي دفعتها للبعد عن أكبر بحر.. لكي تحيا في أعذب نهر!

يا أيها السمك الغبي الأجنبي

ما أجهلكْ!

ها أنت في نهرِ الفراتِ اليعربيّْ

كي نأكلكْ

أو نقتلكْ

هذا مصيرك أيها السمك الغبيّْ

.. هاج الأخطبوط المضلِل الخدَّاع.. ودعا القرش الغدّار إلى اجتماع.. لكي يحوِّلا مياه النهر من عذبة إلى مالحة.. حتى تكون لحياة أسماكهما صالحة.. وظل الأخطبوط في حالة شديدة من الهم.. بالرغم من كل ما يشربه من كؤوس الدم.. وأجمع كثيرون أنهم شاهدوا الأخطبوط.. وهو يرسم على الورق بعض الخطوط.. وظلت ملامحه مكتسية بالإحباط والقنوط.. لأن ما جرى قد يرشحه للسقوط.. أما القرش اللعين فقد قال.. لا بد أن تتحسن الأحوال.. وستظل أسماكنا الطيبة هناك.. برغم ما تتعرض له من هلاك.. ورغم أن الإرهابيين.. يحبون تقطيع سمك السلمون بالسكين.

أمر الأخطبوط أسماكه بتغيير الخطط.. خاصة بعد أن سقط منها ما سقط.. وطلب من كل سمكة.. أن تتنبه وتحتاط في كل حركة.. كما طلب من مجموعات أخرى أن تطير في الجو.. مؤكدا أنه يضمن نجاتها على هذا النحو.. وعلم المجنون بالخبر المثير.. فتعجب قائلا: كيف يمكن للأسماك أن تطير؟.. إن الأخطبوط يجني عليها وعلى نفسه.. وكأنه لم يتعلم شيئا من درسه.

خاف الجبناء عندما رأوا الأسماك لا تكف عن الطيران.. وأنها دائما في حالة دوران.. أما الرجال السمر الشجعان.. فإنهم أكدوا بالفعل أن الأمر قد أصبح أسهل الآن.. لأنه ليس منطقيا أن تتحول الزعانف إلى أجنحة.. وما دام الأمر كذلك فلابد أنها تحب أن نبني لها أضرحة.. وهكذا أطلق الرجال نار الأسلحة.. وازداد عجب المجنون.. حين تذكر أن الناس كانوا يقولون.. ما طار طير وارتفع.. إلا كما طار وقع.. إذ انه رأى كيف طار السمك.. لكنه رأى النار فارتبك.. ولهذا سقط فورا في الشبك!. ضحك المجنون عندما تذكر الرجل الذي فضحته عيناه.. بعد أن غاب عنه العقل أو تاه.. فأكد للناس ما في قلبه من حقارة.. حين أعلن أنه يحمل لهم أحلى بشارة.. وبعد أن ضحك المجنون.. ظل يردد بصوت بالنشوة مسكون:

يا أيها السمك الغبيّْ الأجنبيّْ

ما أجهلكْ..

ومن فضاء بعيد.. حملت الريح صوت الجواهري الفريد.. بعد أن عرف كيف طار السمك.. ورأى النار فارتبك.. وسقط في الشبك:

حييتُ نهركِ في شوقٍ فأحييني

يا شعلةَ المجد في أرض الميامينِ

هذا هو السمك المشويُّ نُشْبعه

صيدا.. ونلقيه في كل الميادينِ

النصرُ للنهرِ رغم الملح يرهقه

ورغم كل دناءات الشياطينِ

«يا دجلة الخير» ما «هانتْ مطامحنا»

وفي انتظار المنى غَنّي وناديني

عُشتارُ تعرفُ والتاريخ يشهدُ ليّ

أن الحضارةً نهرٌ في شراييني

 

 

لمعرفة أخبار الشاعر أدخل بريدك الالكتروني


 

جميع الحقوق محفوظة© تصميم وتطوير (شركة روندا للتكنولوجيا)