شعاع حمورابي.. يفضح مكر المرابي.. بعد اعتقال عرابي

هبط المجنون - اضطراريا- بأمان.. بعد ان تعطل صاروخه العابر للزمان.. فكان لابد له من الهبوط.. حتى لايتعرض الصاروخ للسقوط. ونظر المجنون لبوصلة الوقت التي معه.. لكي لايستطيع أحد ان يخدعه.. فوجد أنه لم يبتعد عن زمانه أكثر من مائة سنة.. وأنه يستنشق في الهواء  رائحة نتنة.. فأدرك على الفور انها رائحة الخونة.. وهي رائحة طالما استنشقها مئات المرات.. وهو يتابع أحداث التاريخ صفحات تتلوها صفحات.. إذ لم يسلم من تلك الرائحة أي عصر.. ومشكلتها انها تتيح للطغاة أن يحققوا النصر.. وبعدها يسرقون حقوق غيرهم.. بعد ان يمطروهم بوابل من غدرهم.

قال المجنون لنفسه: أنا أعرف  هذه الأرض الخصيبة.. أنها أرض بلادي الحبيبة.. هذا هو النيل الجليل.. وهذا هو القطن يحضنه الجميز والنخيل.. وهذه أهرامات مصر.. تشهد على مايجري في كل عصر.. وهذه قلعة صلاح الدين.. قاهر الصليبيين في حطين.. ولكن ما سر هذه الرائحة.. ولماذا تملأ الأجواء طيور غريبة جارحة؟.. في الأمر سر.. ولا بد أن أعرفه على الفور.

هذا رجل محبوس داخل جدران.. تبدو عليه علامات الخيبة والخذلان.. ويبدو كأنه قد شرب كأس الهوان.. لابد أن أقترب منه الآن.. وبالفعل فإن المجنون تسلل من ثقب في الجدران.. وتنبه لتسلله الرجل الجالس.. وتأمل المجنون وجهه فإذا به مكفهر وعابس. وقد ترعرعت فيه لحية معفرة.. كأنها مرآة تعكس حال صاحبها ومنظره.. ولم يكن المجنون بحاجة إلى ذكاء.. لكي يعرف أن الذي يراه هو أحد الزعماء.. ممن تحالف ضدهم الخونة والطغاة..  لكي يقهروهم ويسلبوهم مجدهم وهم على قيد الحياة.. وعلى الفور تكلم المجنون.. مع هذا الرجل المسجون:

- إني أحيانا أفقد صوابي.. لكني الآن متأكد أنك الزعيم أحمد عرابي!

> نعم.. أنا عرابي.. وأنت من تكون؟.. أأنت واحد من أصحابي.. أم واحد من أولئك الشامتين.. ممن يحبون التسلي بمنظري الحزين؟.

- لستُ من هؤلاء أو أولئك أجمعين.. وإنما انا أحد أحفادك المصريين.. وقد هبطت هنا بصاروخي العابر للزمان.. فإذا بي أجدك امامي الآن.

> لاتؤاخذني ايها الانسان الشريف.. واعلم اني لم اكن بالباطش أو العنيف.. وهذا لايعني أني انسان بلا اخطاء.. لكني الآن هنا لأني قاومت الأعداء.. لقد قاومت الاحتلال البريطاني.. بكل ذرة في روحي وكياني.. أما الخونة وعبيد المال.. فرغم أنهم جميعا أنذال. إلا انهم يتلقون المكافأة من الاحتلال.. وهم يتصورون انهم في مجلس يؤهلهم للحكم. بينما هم لايتحركون الا في مجلس وَهّم.. هل تعرف أن «الخديوي توفيق» قد عاد لقصر عابدين.. وهو في حماية المحتلين البريطانيين؟.

- أعرف أنه ليس من أبناء مصر.. لكن المحتلين اعادوه للقصر.

> لكني لا اعتقد انك تعرف ماذا قال.. بينما كان محاطا بجنود الاحتلال؟.. لقد قال جملة واحدة، تلخص الخيانة في كل عصر.. الخديوي توفيق قال: «الآن فليتم تسريحُ جيش مصر..».

أستأذن المجنون من الزعيم أحمد عرابي.. وقال وهو يقبله: لاتحزن يا أغلى أحبابي.. إن مقاومة الناس الشرفاء للغزاة.. لابد ان تعيد لهم كرامتهم في الحياة.

بعد أن تم إصلاح الصاروخ.. ركبه المجنون بكل شموخ.. حيث انطلق إلى أرض بابل.. وهبط فيها دون اي عائق أو حائل.. وأخذ ينظر الى بوصلة الوقت بينما كان يستريح.. فإذا بها تشير الى أكثر من ألفي سنة قبل ميلاد المسيح.. ورأى المجنون حوله نقوشا رائعة.. تنم عن عقلية متحضرة بارعة.. واستعان المجنون بأجهزة الترجمة الفورية.. فعرف ان هذه النقوش البهية.. هي أول ما شرًّعته البشرية.. من قوانين وشرائع عظيمة.. تتكفل بأن تجعل الحياة حرة وكريمة.. وهكذا تخفف المجنون من حزنه على عرابي.. وهو يقرأ «قوانين حمورابي».. ويالها من قوانين.. لقد جعلت أرض بابل كلها بساتين.. لكنها لم تكن ترحم اللصوص والأوغاد.. وانما كانت تضرب بيد من حديد على الفساد.. ولهذا لم يواجه البسطاء أية محنة.. وإنما كانوا يعيشون كأنهم في الجنة.. بعد أن استطاع شعاع «حمورابي».. أن يبدد الظلمة في السهول وفي الروابي.. وأن يقهر الخائن ويفضح المرابي.

فرح المجنون بهذه الرحلة.. رغم أنه لم ينم منذ أكثر من ليلة.. وتذكر حزنه على الزعيم عرابي.. وتذكر ايضا جمال شعاع حمورابي.. وفي طريق العودة استمع المجنون.. إلى صوت يتردد من وراء القرون.. وعلى الفور أدرك ان الصوت هو صوت ابن زيدون:

«إني ذكرتُكِ  - يا عشتارُ  - مشتاقَا»

والليلُ ساد فزاد القلبَ إحراقَا

عودي إلى ساحة الفردوس وانبثقي

كي يستعيد دمي مجداً وإشراقَا

إني لعينيكِ في شوقٍ يطوقني

منذ افترقنَا وظلَّ الحبُّ ميثاقَا

لا تبعديني عن النهرين يا أملي

كي يرجعَ الفرحُ المنفيُّ عملاقَا

في كل ليلٍ أرى حلماً يسافرُ بي

مِنْ غربة الروحِ كي ألقاكِ مشتاقَا

يا جنةَ الحُسْنِ لا تنسيْ محبتنَا

عَبْرَ الزمانِ الذي عشناه عشاقَا

لمعرفة أخبار الشاعر أدخل بريدك الالكتروني


 

جميع الحقوق محفوظة© تصميم وتطوير (شركة روندا للتكنولوجيا)