شبح متشدد.. يسقط الحمار المتبلد.. في المحيط المتجمد

بعد أن خلت الغابة من الأسود.. عمت الفوضى ولم يعد للنظام وجود.. فانطلقت الحيوانات للاجتماع على عجل.. وكل منها يسأل: ما العمل؟.. وقام القرد المنافق.. بدور الخطيب الحاذق.. ولكن بعد أن دهن مؤخرته الحمراء.. ببعض الأصباغ السوداء.. وأكد القرد أن استعادة النظام.. لا بد أن تكون محل اهتمام.. ولكي تعود المياه إلى مجاريها.. ويرفرف الأمن في قلب الغابة ونواحيها.. فإنه اقترح اختيار حمار.. مكان الأسد الجبار.. ولم يجد القرد أي استنكار.. بل على العكس فإنه قوبل بعاصفة من التصفيق.. من جانب الحيوانات التي تحب التلفيق.. لأنه يتيح لها أن تنهب كما تشاء.. وأن تفتك بالحكمة والحكماء. وأن تتحكم في كل الأشياء.. وسلاحها القتل أو الترغيب والإغواء.

على الفور غضب حمار الحكيم.. وأعلن إضرابه عن أكل البرسيم.. وأخذ ينهق بصوت حزين.. مؤكداً أن القرد يخدع السامعين.. وأن حكمة الحياة على امتداد السنين.. قد علمته أن الحمير.. لا تحب غير أكل الشعير.. أما مهمة الحكم فإنها لا تصلح إلا للأسد.. حتى لو واجهه الآخرون بالغيظ والحسد.. وأكد حمار الحكيم ضرورة الحفاظ على العرين في الغابة.. لأنه يوفر لها الأمن مع المهابة.

قال القرد إن الديمقراطية تتكفل باحترام الآراء.. ثم اختتم الاجتماع العلني دون إبطاء.. لكي يعد لاجتماع سري للغاية.. بعد أن يلفق لحمار الحكيم جناية.. وهذا ما كان بالفعل.. حين أَسرَّ القرد للكل.. أن حمار الحكيم يدبر لإسقاطه في الوحل.. ويريد أن يسقيه من كأس الذل!

أعد القرد إعدادا جيداً للاجتماع الثاني.. وتم ترصيع الجدران بقطع من اللحم الضاني.. ولم تحضر الاجتماع سوى مجموعة مختارة.. ليس فيها أي حيوان من الحيوانات الثرثارة.. كما تم إخفاء الأمر عن وسائل الإعلام.. حتى لا يتسرب من الاجتماع أي كلام.. وبعد  السؤال عن الأحوال.. اعتدل القرد على المنصة وقال:

- أرجو أن تحتفظوا بما سأقوله من أسرار.. فالحقيقة أني قد اخترت لكم أغبى حمار... وسنسميه حامينا ومنقذنا المحبوب.. بعد أن نؤكد للكل أنه أسد مرهوب.

.. هنا رفع الثعلب ذيله باحتجاج.. وقال وهو يكاد ينفجر من الهياج:

- ما هذا الذي يقال؟.. أين ما لديك من فن الاحتيال؟

- اصبر قليلا يا سيدي الثعلب.. وأرجوك ألا تعتب أو تغضب.. واعلم أني أمتلك الفطنة والمكر.. ولهذا رتبت الأمر.. و...

.. اضطرب الأمر داخل الاجتماع.. بعد أن صرخ الخنزير بكل اندفاع:

- هذا كلام طائش.. والحمار لا يفهم إلا في أكل الحشائش.. فكيف يتحكم فينا نحن أصحاب القوة.. وكيف يمكن أن يأمرنا ونحن الذين نمتلك السطوة.. هل يمكن لأرباب الشعير.. أن يتحكموا في أقاربي الخنازير؟.. هذا وضع غير مقبول..  ولا يقبله إلا من فقدوا العقول..

- إهدأ قليلا يا سيد خنزير.. وبدلاً من أن تثور أو تثير. دعني أكمل ما أقول. فأنا - والحمد لله - من أصحاب العقول.. إن من مصلحتنا أن يأتي الحمار الضعيف.. لأنه لا يرهب ولا يخيف.. وقد اتفقت معه أن يضع على وجهه قناعَ أسد.. وأن يبقَى جالسا في العرين إلى الأبد. وفي هذه الحالة سنكون نحن المتحكمين.. وسننهش أي معترض من المعترضين.

أقر الثعلب والخنزير أن الخطة موفقة.. وشكرَا القرد على حيلته الملفقة.. وهكذا استقبل الكلُّ طلعةَ الحمار.. وأجلسوه في عرين الأسد الجبار.. بعد أن تواصوا بعدم إفشاء الأسرار.. أما الحمار  فإنه أعلن أنه قد تعلم الزئير.. ولم يعد مثل سواه من الحمير.. وانطلقت الحيوانات المحتالة كي تحتال.. واكتسى بالزهو من يحب أن يختال.. وتعلمت حيوانات أخرى كل فنون الاغتيال.. بينما هاجرت العصافير.. بعد أن امتلأت الأرض بالأفخاخ والمسامير.. وطالب الأسد الذي هو في الأصل الحمار.. بأن تقام حول الغابة أسوار.. وأن تتحول الحياة في الغابة  إلى سجن كبير.. يمنع هجرة العصافير.. ويصادر أشعة الشمس.. ويجعل اليوم مثل الأمس.

وهكذا تحولت الغابة إلى محيط متجمد.. وفجأة تسلل شبح متشدد. فأسقط الحمار المتبلد. في قلب هذا المحيط المتجمد..

«وانتُدِبَ الثعلب للتأبينِ

فقال في التعريضِ بالمسكينِ

لا جعل الله له قرارا

عاش حمارا ومضى حمارا..»

.. وهنا أطل حمار الحكيم.. وقال بصوت لا يخلو من أسف كظيم:

قد آنَ للنظام أن يعودْ

بعد الذي عشناه من عهودْ

لم تنهمر فيها سوى الوعودْ

ولم يكن فيها سوى الجمودْ

وذاتَ يوم تنهض الأسودْ

بعد الضنى والقهرِ والقيودْ

لمعرفة أخبار الشاعر أدخل بريدك الالكتروني


 

جميع الحقوق محفوظة© تصميم وتطوير (شركة روندا للتكنولوجيا)