|
دون
أي اهتمام.. تناول «مجنون العرب» ما أمامه من طعام.. وفي الليل
لم يستطع ان ينام. فحسد الذين استطاعوا النوم.. متجاهلين ما في
الدنيا من هم.. واغتاظ ممن ناموا وهم يشكون التخمة.. وبكى لمن
جاعوا ولم يجدوا حتى العظمة.. وفجأة تكهرب الجو.. في اللحظة
والتو.. حين خرج المجنون من البيت.. ورأى صوتا يزلزل جدران
الصمت.. «عجبتُ ممن لا يجد القوت ثم لا يخرج للناس شاهرا
سيفه.. وتكفل الصوت بأن يزيح المجنون عنه خوفه.. وعلى الفور
ركب بساط الريح.. لكي يتجول في الفضاء الفسيح.. متفقدا ما يراه
على الأرض.. من ملامح حب أو بغض.
من
الفضاء رأى المجنون.. أطفالا يبكون حتى وهم يلهون.. ورأى ناسا
يسكنون وسط المقابر.. بعد أن عميت عنهم الضمائر.. ورأى آخرين
يراقصون النساء.. ويتفقون على صفقات ليس لها انتهاء.. على
إيقاع موسيقى صاخبة.. وأضواء مصابيح شاحبة.. ورأى المجنون في
الفضاء شبحا يتجول.. ويبدو شارداً يتأمل.. وهنا اقترب المجنون
بحذر.. فوجد الشبح يتحدث عن الحياة والقدر.. مؤكدا أن «الكل
باطل وقبض الريح».. وليس في الحياة ما يريح.
- من
أنت يا صاحب الصوت الرخيم؟
| ألا
تعرفني؟.. أنا سليمان الحكيم.. أحد ملوك الزمن القديم.
-
الآن عرفتك.. أنت الذي كنت تسيطر على الجن.. وكنت تضربها
بالسياط حتى تئن!.
- لم
اكن أضربها إلا في بعض الأحيان. حين ترفع راية العصيان...
وفضلا عن هذا فإني كنت أجيد كل اللغات.. وأعرف ما تقوله الطيور
والحيوانات.
لقد
قرأت عنك الكثير.. وفيه ما هو مدهش ومثير.
-
ولكن هل قرأت ما كتبته أنا؟
|
نعم.. قرأت «نشيد الإنشاد» و«سفر الجامعة».. ولكني بحق هذه
الصدفة الرائعة.. أود أن أعرف سر خروجك الآن. ولماذا تنظر من
الفضاء إلى هذا المكان؟.
- لقد
خرجت لأتأمل وأرى.. ولأعرف ما يجري بعد أن عرفت ما قد
جرى!.
| لا
أريد أن اتطفل.. وإن كنت أود أن أعرف فيما تتأمل.
- أنت
تعرف أن الحكيم لا بد أن يتحلى بالصبر.. ومع هذا فإني جئت إلى
هذا العصر... بعد أن شعرت بغيظ شديد.. من رجل بليد.. يحاول أن
ينتحل اسمي القديم.. حيث سمى نفسه سليمان السليم.. بينما الناس
يسمونه سليمان الدميم.. مؤكدين أنه ينحني للشيطان الرجيم.. لكي
يساعده في صون ما نهب.. والاحتفاظ بما لديه من ذهب!.
..
استبد حب الاستطلاع بالمجنون.. فهبط ببساط الريح في سكون..
وأخذ يحاول البحث عن سليمان الدميم.. وهل هو حقا دميم أم أنه
سليم.. وهنا وجد كائنا غارقا في النعيم.. ولا يهتم بما يحيا
فيه الآخرون من جحيم.. وإنما يتغنى بما لديه من جمال.. لكنه
يكره قصيدة الأطلال.. مؤكدا أنها تذكره بالمصير المشؤوم.. حتى
لو كانت التي تغنيها هي أم كلثوم.. واستمع المجنون إلى سليمان
الدميم.. وهو يبرر لماذا ينحني للشيطان الرجيم.. خصوصا بعد أن
تم اعتقال الحكيم.. لأنه يرفض النوم.. متجاهلا ما في الدنيا من
هَمّ:
ما
حيلتي.. فالجبنُ يسكنني
والناسُ طولَ الليل تلعنني
وأنا
أحبُّ الناسَ إن غفلتْ
أنظارُهم عني وعن عفني
لكنهم
يتطلعونَ إلى
ما في
يدي - طمعا - وفي سكني
عند
الصباح أرى تململهم
فأقول: مَنْ يا رب ينقذني
ويطولُ ليلي كي يؤرقني
ويزيدُ خوفي كي يبللني
أخشَى
من الآتي إذا اندفعتْ
أيدي
الجياع لكي تمزقني
أخشَى
من الحقد الصبور إذا
ما
أفرغَ الطلقاتِ في بدني
فلأتبِع الشيطانَ محتمياً
مما
أراه وما يزلزلني
لا
للتجاعيد التي ازدحمتْ
لتقول
لي إني انتهَى زمني
لا
بأس بالمكياج يجعلني
دوماً
شباباً حينَ يصبغني! |