مقدمة حسن توفيق

إهداء

تحية حب لكل أرض العراق.. تحية إجلال لأرواح الشهداء.. من الأطفال والنساء.. ومن المدنيين والعسكريين.. وتحية عميقة لكل من يقاوم دون أن يتراجع أو يساوم.. وتحية تقدير لكل العراقيين الذين يعرفون معنى أن يظل العراق يضمهم أجمعين، بعيدا عن أولئك «الصامتين» الذين يترقبون أن يحصلوا على غنائم، وبعيدا عن الذين يتصورون أن بإمكانهم ان يجعلوا شمال العراق دولة مستقلة لهم..

الشعر العربي والسياسة الأمريكية

مقدمة: حسن توفيق

لا بد أن أعترف بما أعرف.. أعترف بأن وجهي من الوجوه التي تفضح أصحابها.. وجهي مرآة لقلبي ولعقلي.. هناك وجوه أخرى تبدو كالصخور الصلعاء.. قد تنعكس عليها أشعة الشمس فتسطع وتلمع، لكنها لا تعكس شيئا مما في الأعماق.. أصحاب هذه الوجوه - الصخور يصلحون بالطبع للعمل في السلك الدبلوماسي كما يصلحون لأن يصبحوا رجال أعمال. أما من تبدو وجوههم مثل وجهي فإن عواطفهم ومواقفهم تبدو مكشوفة ومعروفة للآخرين حتى وإن لم ينطقوا بكلمة واحدة.

وجهي كان يكتسي بالتشوق النابع من القلب في بداية لقائي مع «شنتارو تانيكاوا» أكبر شعراء اليابان. كان اللقاء عصر يوم الخميس 1 أكتوبر سنة 1998 في الطابق الخامس والأربعين من فندق «كيو بلازا» أحد أفخم فنادق العاصمة اليابانية «طوكيو». جلست قرب الشرفة وجلس الشاعر الياباني أمامي وإلى جواره جلس مرافقي المترجم «هايديكي أوكونو» وكانت أسراب من الغيوم تتجول أمامي وسط سماء طوكيو، وأحيانا تبدو قريبة من الشرفة، وأحيانا تبدو منخفضة عنها. سحرني هذا المشهد، فقد تعودت أن أشاهد أسراب الغيوم وأنا فوقها عندما أكون في قلب طائرة، أما ما أشاهده الآن، دون أن أكون في قلب طائرة، فإنه يحدث لي للمرة الأولى في حياتي. مع جمال المشهد، تمنيت للحظات لو كنت وحدي تماما.. ليس أمامي هذا الشاعر وليس بجواره مرافقي.. تمنيت - حقا - لو كنتُ وحدي!.

يبدو أن وجهي لم يكن مشرقا بعد اللقاء الذي دام ساعة بالضبط. أتذكر أن قلبي لم يكن مرتاحا وأن عقلي كان متضايقا. لا بد أن مرافقي قد قرأ - بسرعة - ملامح وجهي، حيث بادرني قائلا: «أرجوك.. لا تتضايق منه، فإنه شاعر كبير، لكنه لا يفهم في السياسة».

بعد هذا اللقاء مع «شنتارو تانيكاوا» كان لي لقاء آخر في نفس المكان مع الشاعرة اليابانية «كورا روميكو».. لحظة وصولها وقفت في مكاني وانحنيت لها - بأدب - على الطريقة اليابانية، لكني فوجئت بها تمد يدها لتصافحني بحرارة على طريقتنا العربية، وإن كنا - بالطبع - لم نتبادل القبلات على الطريقة الأوروبية - الغربية. لم اهتم كثيرا بأسئلتي التي كنت قد أعددتها من قبل، فقد بدت جلستنا حميمة ومفعمة بالبساطة والتلقائية. كنت بالطبع قد قرأت عدة قصائد لـ «كورا روميكو» مترجمة إلى لغتنا العربية، أما هي، فقد فاجأتني عندما أخبرتني أنها قد التقت مع أدونيس في أحد مهرجانات الشعر العالمية، كما أنها قرأت قصائد عديدة لصلاح عبدالصبور مترجمة إلى الإنجليزية. كان من المقرر ألا يزيد موعد اللقاء على ساعة واحدة، لكنه امتد إلى أكثر من ساعة ونصف. هذا ما ضايق مرافقي، وقال لي: كان لا بد ألا يزيد اللقاء على الساعة. قلت له مازجا بين الدعابة والجدية: من حقي أن أتمرد مرة واحدة على دقة المواعيد اليابانية.

بالطبع كنت سعيدا بعد لقائي مع «كورا روميكو» فهي تعرف الكثير عن أوضاع أمتنا العربية، كما أنها تتعاطف مع قضية فلسطين، أما «شنتارو تانيكاوا» الذي قال لي مرافقي «أرجوك.. لا تتضايق منه، فإنه شاعر كبير، لكنه لا يفهم في السياسة»، فإنه بالفعل لا يعرف عن أي شاعر عربي شيئا، كما أنه حدثني - باستفاضة - عن زيارة أسعدته.. الزيارة كانت للكيان الصهيوني.. عانيت من الصبر وقتها، ثم قلت له: ألا تعرف أن هذا الكيان قد أقيم سنة 1948 على أرض فلسطين وعلى حساب شعبها العربي؟.. وبدا لي كأن «شنتارو تانيكاوا» لا يفهم أو لا يريد أن يفهم.. وبعيدا عما ضايقني، فإني اكتشفت أن معظم قصائد شعراء اليابان تصور أجواء الطبيعة الساحرة هناك، وتتحدث عن العشاق، وتندمج فيها أساطير قديمة من التراث الياباني العريق. كان تفسيري للأمر - بمنتهى البساطة - أن اليابان لا تجاور الكيان الصهيوني، وليست في حالة مواجهة معه، وأن اليابانيين يعرفون أن دولتهم مستقرة ومتفوقة تكنولوجيا، وهذا يجعلهم بعيدين عن التقلب في أمواج السياسة.

أنتقل من هناك.. من اليابان.. إلى هنا.. إلى أرض أمتنا العربية.. فأقول إن اليابان لم تعد تواجه مخاطر محدقة ولا تتوعدها قوة كبرى بالويلات منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945، أما نحن فقد تعرضنا لما تعرضنا له قبل تلك الحرب وخلالها وبعدها وحتى الآن، بل إن الدول العربية التي ارتضت مصالحة الكيان الصهيوني لم تسلم من أطماعه حتى الآن.

هكذا يشعر شعراؤنا العرب - حتى الذين لم يكتبوا ولو قصيدة واحدة سياسية أو وطنية - أن أقطار أمتهم العربية تواجه.. لا ما يتهدد الحدود.. بل ما يتهدد مجرد الوجود، ويكفي هنا القول إن الكيان الصهيوني يحلم، ويخطط بدقة لتحقيق ما يحلم به، وهو أن يفعل بأبناء فلسطين نفس الذي فعله الأمريكيون تجاه أصحاب الحق والأرض من الهنود الحمر، الذين أبيدوا، لا بالآلاف، ولكن بالملايين، ولم يبق منهم الآن إلا الذين يرتدون أزياءهم الفولكلورية، ليسعد الأمريكيون بمشاهدتهم في الاحتفالات والكرنفالات!.

لا أحب أن أتجنى على أحد، ولا أستطيع - حتى لو أحببت - أن أتجنى على أكبر إمبراطورية على امتداد التاريخ، وهي الإمبراطورية الأمريكية، ولهذا لن أتكلم، وإنما سأترك فقرة من تقرير شركة «فرجينيا» المكتوب سنة 1624 هو الذي يتكلم، وأنقل هذه الفقرة من كتاب «الزمن الأمريكي» لكاتبنا الأشهر والأكبر الأستاذ محمد حسنين هيكل، والذي نقلها - بدوره - من كتاب «العملاق» الذي شارك فيه أكثر من ثلاثين باحثا، كلهم من الأمريكيين أنفسهم. تقول هذه الفقرة بالنص:

«إن الخلاص من الهنود الحمر أرخص بكثير من أية محاولة لتمدينهم، فهم همج، برابرة، عراة، متفرقون جماعات في مواطن مختلفة، وهذا يجعل تمدينهم صعبا، لكن النصر عليهم سهل. وإذا كانت محاولة تمدينهم سوف تأخذ وقتا طويلا، فإن إبادتهم تختصره، ووسائلنا إلى النصر عليهم كثيرة: بالقوة، بالمفاجأة، بالتجويع، بحرق المحاصيل، بتدمير القوارب والبيوت، بتمزيق شباك الصيد. وفي المرحلة الأخيرة.. المطاردة بالجياد السريعة والكلاب المدربة التي تخيفهم لأنها تنهش أجسادهم العارية..».

التقرير قديم. مكتوب - كما أشرت - سنة 1624. تفصلنا عنه وأنا أكتب الآن - في ديسمبر 2003 - 379 سنة. ومع هذا فإني أشعر بخطأ عظيم لو تصورت أن هذا التقرير قديم. كل ما فيه طبقه الأمريكيون على شعوب أخرى، حاولوا كسر إرادتها الوطنية، وكل ما فيه طبقه الصهاينة بجرائمهم الوحشية ضد شعب فلسطين.

من هذا المنطلق، لا يستطيع الشاعر العربي - حتى لو كان غير ملتزم - أن يندمج مع أجواء الطبيعة أو أن ينصرف إلى تصوير الحب مجردا. هذا ما أوضحه الشاعر الكبير محمود درويش - من فلسطين - حين قال في مستهل أمسية شعرية له في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، يوم 16 ديسمبر سنة 2002 «.. إن الشاعر العربي في مرحلة الطواريء سياسي بالضرورة، لأنه جزء من مقاومة الاحتلال، وهو مطالب بالوفاء للصورة التي يرسمها له القاريء ومطالب أيضا بالتمرد على ما هو متوقع منه..» وتعبيرا عن الحزن والأمل في آن واحد قال محمود درويش: «يسرني أن ألقي شعري ضمن «علم فلسطين» التي يبدو أن عمرنا كله لم يكن كافيا لنشهد تحريرها واستقلالها، لكن شعبها المسكون بهاجس الحرية سيجعل هذه اللحظة قريبة بأي ثمن..».

قبل محمود درويش، أكد شاعر الحب الشهير والكبير نزار قباني في أعقاب نكسة يونيو/ حزيران سنة 1967 أنه قد تحول «من شاعر يكتب شعر الحب والحنين.. لشاعر يكتب بالسكين» ومع قيام الأمريكيين بحرب انتقامية ضد أفغانستان في أعقاب ما جرى لكل من نيويورك وواشنطن يوم الثلاثاء 11 سبتمبر سنة 2001 وجه الشاعر أحمد مطر - من العراق ويقيم في لندن - رسالة، قصيدة، إلى الإمبراطور الأمريكي، والرسالة - القصيدة بعنوان «أعد عيني لكي أبكي على أرواح أطفالك»:

أعدْ عيني

لكي أبكي على أرواح أطفالك

أتعجب أنني أبكي؟!

نعم أبكي.. لأني لم أكن يوماً

غليظ القلب فظّاً مثل أمثالك؟

لئنْ نزلتْ عليك اليومَ صاعقةٌ

فقد عاشت جميع الأرض أعواماً

وما زالت.. وقد تبقى على أشفار زلزالك

بعيدا عن «قد» التي افترضها أحمد مطر، فإن الأرض ستبقى بالفعل على أشفار الزلزال الأمريكي، إلى أن يشهد العالم قيام قوة كبرى مؤهلة لأن تقف في وجه أطماع الإمبراطورية الأمريكية التي تتحرك بخيلاء وزهو منذ أن انهار العملاق «الاتحاد السوفييتي».

يطل فصل الربيع على أرضنا العربية وسواها يوم 21 مارس من كل سنة، وفيما يتعلق بمحبي الشعر العربي فإنهم يعرفون أن هذا اليوم هو عيد ميلاد أحد شعرائهم الكبار - نزار قباني الذي ولد يوم 21 مارس - آذار سنة 1923، ويتحدث الشاعر الكبير عن فرحته الطفولية باقتران إطلالة الربيع مع يوم ميلاده، فيقول: «يوم وُلدت في 21 آذار (مارس) 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة، كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة.. وكان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء.. الأرض وأمي حملتَا في وقت واحد.. ووضعتَا في وقت واحد..».

لو كان نزار قباني قد بقي حيا بجسده حتى يوم 21 مارس سنة 2003 لكنا قد احتفلنا معه بعيد ميلاده الثمانين، وربما كتب شعراء اليابان وسواهم من شعراء الأوطان التي لا تواجه الأخطار عن تفتح الأزهار.. هذا بالطبع إذا كانت الحياة تسير وفقا لمجراها المعتاد، لكن ما جرى يوم 21 مارس سنة 2003 لم يطل علينا كما كنا نتمنى ونتوقع، فقد ارتكب الأمريكيون ومعهم أذنابهم البريطانيون أبشع جرائمهم الوحشية الجديدة، ففي فجر ذلك اليوم، وهو يوم الجمعة 21 مارس سنة 2003 بدأت الصواريخ الأمريكية تنهال على بغداد، تحت شعار كاذب وخداع هو «حرية العراق» والذي سرعان ما تغيَّر ليصبح «الصدمة والترويع» كاشفا أحقاد من أطلقوه تجاه وطن من أهم أوطان الحضارة الإنسانية.. العراق العظيم.

بدأت الحرب قبل موعدها الذي كان قد حدده العسكريون والسياسيون الأمريكيون، فقد تلقى هؤلاء تقريرا من الخونة عبيد الدولار بأن «القائد - الرمز» صدام حسين موجود في أحد القصور، وهكذا انطلقت الصواريخ على الفور لتنصب فوق هذا القصر، لكن المسعى خاب، إذ لم يكن صدام حسين موجودا فيه. ولم يكن عجيبا قبل خيبة المسعى أن نسمع عن دعوات عربية رسمية من «حكماء القوم» تطالب صدام حسين بالتضحية بالسلطة والتخلي عن القيادة، حفاظاً على العراق!.. هل كانت الحرب المقررة لن تندلع حقا لو أن صدام حسين قد «ضحى» واستقال وخرج من العراق، أم أن الحرب كانت ستبدأ بالطبع دون أن يكون هناك «قائد - رمز» يقف مع جيشه وشعبه؟

ارتكب الغزاة - الطغاة ضد العراق ما يندى له جبين الإنسانية خجلا، وفقا للتعبير المستهلك والمعاد، وسحقت القنابل رؤوس الأطفال، وفصلت شظاياها رؤوس أطفال آخرين عن أجسادهم.. تخيلوا معي - إذا كنتم قد نسيتم أو لم تروا بأعينكم على شاشات التليفزيون - صورة طفل بلا جسد.. مجرد رأس.. حولها أشلاء غارقة في بركة من الدماء.. وهل يمكن لأحد - إذا كان بالفعل إنسانا - أن ينسى وجه الأم المسيحية العراقية التي كانت ترفع يديها إلى السماء، منتحبة وصارخة: «أين أنت يا رب؟!».. هل كفرت هذه السيدة؟.. لا.. لكنها وجدت كل أطفالها وأقاربها وقد تمزقت أجسادهم أمام عينيها «بفضل» أحد الصواريخ الأمريكية «الذكية» التي انطلقت لتحقق «حرية العراق»، ثم «الصدمة والترويع»!.

كل مدن العراق، في حدود إمكانياتها المتاحة، قاومت الغزاة - الطغاة من الأمريكيين وأذنابهم البريطانيين، وكانت بداية المقاومة الصلبة من «أم قصر» - الميناء العراقي الصغير، وتواصلت المقاومة والعمليات الفدائية، حتى من النساء العراقيات، في البصرة والناصرية والنجف جنوبا، وفي الموصل شمالا، وفي القلب.. قلب العراق.. وقلبي.. بغداد.

في يوم الأربعاء الأسود - 9 أبريل سنة 2003 - دخلت قوات «المارينز» الأمريكية مناطق في بغداد، دون مقاومة تُذكر، ووسط ذهول المحللين العسكريين والقادة الميدانيين من المحاربين القدامى، وعلى رأسهم الفريق سعد الدين الشاذلي الذي كان يتحدث لقناة «الجزيرة» بينما كانت دبابة أمريكية تقف على جسر الجمهورية في بغداد.. أتذكر أنه قال: «لا أكاد أصدق عيني.. هذا غير معقول».

ما لم يستطع الفريق سعد الدين الشاذلي أن يصدقه، لم يستطع ملايين العرب أن يصدقوه كذلك، وما رآه غير معقول، كان هو المعقول، طالما أن الخيانة قد نجحت هذه المرة، بعد أن كانت قد فشلت من قبل في تحديد مكان وجود صدام حسين، بل إن هذا «القائد - الرمز» قد ظهر بصورة علنية وهو يتجول في شوارع بغداد ويدعو إلى المقاومة يوم الجمعة 4 أبريل سنة 2003 وإذا كان هذا المشهد قد هز مشاعري حقا، إلا أني أدركت - عقليا - أن صدام حسين يلقي نظرة وداع على بغداد، قبل أن يتفرغ للعمل السري ويختفي عن الأنظار، بعد أن استنشق رائحة الخيانة، حتى من كثيرين ممن كانوا مقربين منه، لأن هؤلاء حسموا أمرهم.. أن يكونوا عبيدا للدولار، حتى لو كان الثمن أن يباع الوطن.. وكأن بدر شاكر السياب أمامي الآن وهو يصرخ:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون؟

أيخون إنسانٌ بلاده؟!

إن خان معنى أن يكون فكيف يمكن أن يكون؟!

ولو كان بدر شاكر السياب قد تذكر التاريخ، وراح يقلب الصفحات لما تعجب، فالخيانة مرض يستشري في كل زمان ومكان، وللخيانة أشكال وألوان، من خيانة الأصدقاء للأصدقاء، حتى خيانة الأوطان، تماما كما تتكرر - على امتداد التاريخ - صور النهب والسلب، حين يستبيح الغزاة - الطغاة ما يطمعون فيه من أوطان للآخرين.

في أحد خطاباته، أشار صدام حسين إلى أن ما يتعرض له العراق، لم يسبق أن تعرض له إلا منذ أكثر من سبعمائة سنة، وهذا حق، فلو رجعنا إلى مشهد دخول الغزاة الأمريكيين إلى بغداد، لوجدنا أنه يكاد يكون نفس مشهد دخول الغزاة المغول إليها.. ففي المشهدين، تبدو الخيانة واضحة، وفي المشهدين تواجهنا صور النهب والسلب.

أنتقل الآن إلى بغداد.. ولكن في زمان بعيد.. هو سنة 1258م أي منذ سبعمائة وخمس وأربعين سنة، لكي نشاهد ما ارتكبه المغول ضد بغداد، ومعنا سيد أمير علي مؤلف «مختصر تاريخ العرب» الذي نقله إلى لغتنا العربية عفيف البعلبكي، وعلينا أن نتأمل تفاصيل ما جرى:

«.. في صباح اليوم التالي لاقتحام بغداد، أصدر هولاكو أوامره بنهب المدينة وذبح سكانها، ويحتاج وصف تدمير تلك المدينة إلى براعة مؤرخ مثل جيبون، فالنساء والأطفال الذين خرجوا من بيوتهم يحملون المصاحف على أكفهم ويتضرعون إلى الجنود، كي يُبقوا على حياتهم، وطئتْ أجسادهم بحوافر الخيل. أما الكنوز الفنية والأدبية التي جمعها الخلفاء المتعاقبون بكثير من المشقة والعناء، فقد دمرت تدميرا خلال بضع ساعات، وغرقت شوارع المدينة طوال ثلاثة أيام بالدماء، واصطبغت مياه دجلة بالحمرة عدة أميال، واستمرت أعمال التخريب والتقتيل ستة أسابيع، فدمرت القصور والمساجد والضرائح، إما بالنار أو بالمعاول بغية الحصول على قبابها الذهبية، وأُغمد السيف في رقاب المرضى في المستشفيات، والطلاب والأساتذة في الكليات، وفي الضرائح نُبِشت قبور الأولياء والأئمة الصالحين، وفي المجامع العلمية التهمت النيران تآليف كبار العلماء وألقيت الكتب طعمة للنيران أو مياه دجلة، وهكذا فقدت الإنسانية تلك الكنوز التي تجمعت خلال خمسة قرون..».

أكتفي بهذا المشهد الذي وقع وجرت أحداثه المأساوية سنة 1258م ويمكننا جميعا أن نقارنه بما وقع وجرت أحداثه المأساوية اعتبارا من اليوم الأسود - يوم الأربعاء 9 أبريل سنة 2003، وإذا كان المشهد الجديد يكاد يكرر المشهد القديم، فإن الخيانة قد لعبت دورها في الحالتين. يقول الدكتور علي إبراهيم حسن في كتابه «التاريخ الإسلامي العام» بالنص:

«.. وسهَّلَ على المغول حصار بغداد، تلك المؤامرات التي كان يدبرها الشيعة لأهل السُّنة داخل أسوار المدينة».. ويقول محمد بن طباطبا صاحب «الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية» واصفاً كيف دخل المغول بغداد: «.. إنه في يوم الخميس رابع المحرم من سنة 656 هـ ثارت غبرة عظيمة شرقي بغداد على درب بعقوبا حيث عمت البلد، فانزعج الناس من ذلك وصعدوا إلى أعالي السطوح والمنابر يتشوفون، فانكشفت الغبرة عن عساكر السلطان (أي هولاكو) وخيوله ولفيفه وكراعه، وقد طبق وجه الأرض وأحاط ببغداد من جميع جهاتها، ثم شرعوا في استعمال أسباب الحصار، وشرع العسكر الخليفي (يقصد جنود الخليفة المستعصم) في المدافعة والمقاومة إلى اليوم التاسع عشر من شهر المحرم، فلم يشعر الناس إلا ورايات المغول ظاهرة على سور بغداد من برج يسمى «برج العجمي» من ناحية باب من أبواب بغداد يقال له باب كلواذي، وكان هذا البرج أقصر أبواب السور، وتقحم العسكر السلطاني هجوما ودخولا فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم والتمثيل البليغ، ما يعظم سماعه جملة في الظن بتفاصيله..».

لا تندهشوا.. ولا تتعجبوا مثلما تعجب بدر شاكر السياب، ولكن من حقكم أن تسألوا أنفسكم: ما الفرق بين هولاكو الذي يوصف بأنه «متوحش» و«متخلف» وبين الرئيس الأمريكي بوش الذي يصف نفسه بأنه «متقدم» و«متحضر»؟.. الجواب عندي، وأقوله على الفور: لا فرق.

هل يمكن أن نتذكر مشاهد أخرى تكررت على امتداد التاريخ؟.. أقول، وبسرعة: علينا أن نتذكر رسائل الغزاة إلى أبناء الشعوب الذين تم احتلال أوطانهم.. «السلام عليكم».. قالها نابليون، قبل أن يكررها الغزاة اللاحقون!!.

بدأت الحملة الفرنسية على مصر وفلسطين يوم 1 يوليو - تموز سنة 1798م حيث نزلت قواتها على شاطىء العجمي في الأسكندرية..وجاء في رسالة نابليون إلى المصريين قوله: «السلام عليكم يا أيها المصريون.. لقد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح، فلا تصدقوه وقولوا للمفترين إنني ما قدمت إليكم إلا لآخذ حقكم من أيدي الظالمين، وإنني أكثر من المماليك، أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون..»!.

هذا ما قاله نابليون.. أما في يوم 11 مارس - اذار سنة 1917 فقد دخل الجنرال ستانلي مود، قائد القوات الاستعمارية البريطانية بغداد بعد مقاومة ضارية، فماذا قال هو أيضا في رسالته:.. فلنتركه يتكلم: «.. يا سكان بغداد.. تذكروا أنكم عانيتم على مدى 26 جيلا تحت حكم طغاة أجانب (يقصد الدولة العثمانية) وقد حاول هولاء الطغاة الأجانب جاهدين أن يزرعوا العداء بين العرب حتى يتمكنوا من الاستفادة من فرقتكم.. إن بريطانيا العظمى وحلفاءها يستنكرون هذه السياسة، حيث أنه لا يمكن أن يعم السلام أو الرخاء عندما يكون هناك عداء وسوء في إدارة الحكم، فانضموا الآن إلى بريطانيا العظمى، حتى تتمكنوا من الاتحاد مع أبناء عمومتكم في الشمال والشرق والجنوب والغرب، وتحققوا طموحاتكم..».

الرئيس الأمريكي ومعه تابعه رئيس وزراء بريطانيا شاركا معاً في توجيه رسالة إلى الشعب العراقي يوم الأربعاء الأسود 9 أبريل سنة 2003 لكني لن أنقل شيئا مما قاله كل منهما، وإنما أتمنى أن تقارنوا أنتم بأنفسكم بين ما قاله نابليون سنة 1798 وما قاله ستانلي مود سنة 1917 وما قاله الرئيس الأمريكي وتابعه بلير وليس «قفة» سنة 2003.

يكره الطغاة كل إنسان يقرأ التاريخ، لأنهم يدركون أنه يكشف أعماقهم وأقوالهم وأعمالهم، بعد أن يتذكر هذا الإنسان كيف يكرر الطغاة اللاحقون ما أرتكبه الطغاة السابقون، أما الذين يقرأون التاريخ، فإنهم لا يتعرضون لمرض «نقص المناعة» ضد اليأس والإحباط، لأن التفاؤل التاريخي يغمر أرواحهم وقلوبهم وعقولهم بنور الأمل وبالثبات وبالإصرار على تجاوز المحن التي تواجه أوطانهم، ولهذا ليس عجيباً أني قد كتبت قصيدة بعنوان «أغنية للأمل» بعد أن دخل الغزاة بغداد بعدة أيام.

كيف لم يستطع اليأس أن يغزو أعماقي؟.. للإجابة على هذا السؤال لا بد أن أعود مرة أخرى إلى التاريخ.. أنا واحد من أبناء الجيل العربي الذي تفتح وعيه السياسي على كارثة عربية، تتمثل في نكسة 5 يونيو - حزيران سنة 1967. وقتها ألقت غيوم اليأس السوداء ظلالها القاتمة على كل نفوس الشرفاء من بني العروبة، واندفع الشعراء العرب إلى عملية قاسية، سُميت عملية «جلد الذات»، وكان من أشهر قصائد تلك المرحلة «هوامش على دفتر النكسة» لنزار قباني و«البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» لأمل دنقل، لكن شعراء المقاومة الفلسطينية الذين كانوا قد بدأوا يتألقون خارج أرض فلسطين المحتلة هم وحدهم الذين استطاعوا أن ينفذوا إلى النور، رغم كثافة الظلمات المتراصة طبقات فوق طبقات، وما زلت إلى اليوم أتذكر قول سميح القاسم:

نحن في الخامس من شهر حزيران وُلدنَا من جديد

.. تكفلت حرب الاستنزاف المجيدة على امتداد ثلاث سنوات، عاشها الزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر بأعصابه، وبقيادة رجل متواضع وزاهد هو الشهيد - الفريق عبدالمنعم رياض.. تكفلت هذه الحرب بأن يسترد العرب الشرفاء عافيتهم، وأن يجعلوا اليأس ييأس من محاولة الاقتراب من أعماقهم. وهكذا فإنه على الرغم مما جرى يوم الأربعاء الأسود 9 أبريل سنة 2003 في بغداد فإني وجدتُ أن اليأس لم يستطع أن يغزو أعماقي، وكان هذا نقيضا لقول المتنبي العظيم:

رماني الدهر بالأرزاء حتى

فؤادي في غشاء من نبالِ

فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ

تكسرت النصالُ على النصالِ

نعم.. تكسرت النصال على النصال، ولكن خارج الروح، بحيث تراها العين حقا، دون أن تنفذ هي إلى أعماق النفس، وهذا هو الفارق بين أن نحزن وأن نيأس.. الحزن يطهر الأرواح.. أما اليأس فإنه يشل أية رغبة في المقاومة.

عشت بأعصابي أيام الحرب الأمريكية - البريطانية ضد العراق. لم أكن أنام إلا عندما يجبرني الإرهاق الفادح على النوم. سهرات متواصلة خلال ساعات العمل الليلي في جريدة «الراية» القطرية حيث أعمل، وتتجدد السهرات وتتواصل إما في بيتي أو في بيوت الأصدقاء، وعيوننا مسمرة على التليفزيون، لنتابع ثلاث أو أربع قنوات فضائية عربية، هي «الجزيرة» و«العربية» و«أبوظبي» و«المنار» وأحيانا نتابع قناة «العالم» الإيرانية والناطقة بالعربية، وحين كنت أحاول أن أرتاح من وابل المتابعة، فإني كنت ألجأ إلى رائعة محمود حسن إسماعيل ورياض السنباطي وأم كلثوم «بغداد يا قلعة الأسود».

قلت إن اليأس لم يستطع أن يغزو أعماقي، لكن روحي انتعشت أكثر وأكثر حين وجدت أن هذا اليأس لم يستطع أيضا أن يغزو أعماق الشعراء العرب الذين كتبوا ضد الغزاة - الطغاة، وأحسست أني أتوحد، لا مع القريبين مني وحدهم، وإنما مع البعيدين عني جغرافيا، لا وجدانيا بالطبع، ولم أجد في الأمر أية مصادفة، حين قرأت قصيدة «صيحة الميلاد» للشاعر محمد الفيتوري الذي يقيم في المغرب، فاكتشفت أني أيضا أتحدث عن «صرخة الميلاد» في قصيدتي «بطاقة حب لبغداد».

حاولت - جاهدا - أن أبتعد عن إغراء عنوان هذا الكتاب «بغداد خانتني» لأنه قد يصدم مشاعر القارىء العربي، ولكن بطريقة مختلفة بالطبع عن «الصدمة والترويع» والحقيقة أني قد انتزعت هذا العنوان من المقطع الأول من قصيدتي «بطاقة حب لبغداد» التي اكتشفتُ أني كنت أبكي خلال كتابتها:

بغداد خانتني وأخفتْ وجهها عنيِّ

لم يبقَ لي أحدٌ سواها.. ما دهاها؟

كيف تُفْلِتُ كفُّها منيِّ

بغداد خَلَّتني مع السفهاء والأُجَراءِ مغتربينَ عن حزني

بغداد خانتني

قسمتُ هذا الكتاب إلى قسمين، أولهما يضم القصائد التي كتبتها خلال أيام الحرب ضد العراق، وتتصدره قصيدة «غبار على صورة القدس» التي تصور أجواء المعاناة الفلسطينية، وليس هذا بغريب، فالعراق، حتى والاحتلال الأمريكي - البريطاني يجثم على ترابه الطاهر هو في قلبي، تماما مثل فلسطين التي يجثم على صدرها الاحتلال الصهيوني العنصري، وهناك قصائد أخرى يضمها القسم الأول، ولكنها على ألسنة شعرائنا العرب القدامى، حيث جعلت امرأ القيس وعنترة بن شداد وابن زيدون والمتنبي يتكلمون، لا عن زمان كل منهم، وإنما عن زماننا نحن، وبعيدا عن هؤلاء العظماء، فإني جعلت «هتلر يتكلم» بنفسه، كما رسمت ملامح صدام حسين، وفقاً لمشاعري تجاهه يوم خرج يتجول في شوارع بغداد للمرة الأخيرة، وكأنه كان يلقي نظرة وداع، وهو يرى جمر عمره ينزف النار، وكيف أنه «.. لم تبق إلا خيانة النبض للقلب والجسد»، وذلك دون ان تتأثر روحي المعنوية بالتمثيلية الهزلية التي قام ببطولتها الأمريكان، في يوم  الأحد 14 ديسمبر 2003 عندما صوروا للعالم كيف اعتقلوا صدام حسين بطريقة مهينة، وهم أنفسهم الذن تباكوا واستبكوا العالم معهم عندما ظهرت صور أسراهم أثناء الحرب على شاشات التليفزيون، كما يضم هذا القسم قصيدتين، إحداهما وهي «القنبلة والسنبلة» تصور الأخطاء «البريئة» التي وقعت فيها الصواريخ «الذكية» حيث كانت تقتل المدنيين الأبرياء في حرب الانتقام الأمريكية ضد أفغانستان، أما القصيدة الثانية، فهي بعنوان «جمال عبدالناصر.. مسافر في القلب» وقد كتبتها متشوقاً إلى ما كان متحققا من صمود للإرادة الوطنية العربية في ظل قيادة هذا الزعيم العربي الخالد.

ويضم القسم الثاني من «بغداد خانتني» مجموعة من «المقامات» التي أحببت من خلال كتابتها أن أستعيد فن «المقامة» والبطل في مقاماتي، هو «مجنون العرب»، وقد أتاحت لي هذه الشخصية التي اخترعتها أن أعبر عما أود دون قيود داخلية أو خارجية، ومن هذه المقامات «الجواهري والسياب والمجنون.. يستجوبون الغزاة الذين يؤسرون» و«الثعلب يقدم أدلة ووثائق.. لاتهام الأرنب بأنه مارق» و«السلاحف في المتاحف.. والخنزير يكسر الزير» و«اعتقال حمار.. يتحالف مع الأشرار.. لنشر الرعب والدمار».

تحية حب لكل أرض العراق.. تحية إجلال لأرواح الشهداء.. من الأطفال والنساء.. ومن المدنيين والعسكريين.. وتحية عميقة لكل من يقاوم دون أن يتراجع أو يساوم.. وتحية تقدير لكل العراقيين الذين يعرفون معنى أن يظل العراق يضمهم أجمعين، بعيدا عن أولئك «الصامتين» الذين يترقبون أن يحصلوا على غنائم، وبعيدا عن الذين يتصورون أن بإمكانهم ان يجعلوا شمال العراق دولة مستقلة لهم.. تحية تقدير لكل العراقيين الشرفاء.. من السنة والشيعة ومن العرب والأكراد ومن الصابئة والمسيحيين والآثوريين.. تحية للمدن التي زرتها وأحببتها.. للموصل.. للنجف.. للكوفة وكربلاء.. للبصرة.. للحلة وسامراء.. لبعقوبة وتكريت.. وللخالدة العريقة رغم أنوف الغزاة - الطغاة.. بغداد.

قد يتصور أحدكم أني أكره الأمريكيين!.. أقولها بوضوح: لا.. لكني أكره السياسة الأمريكية التي يتصور صناع القرار فيها أنهم فوق كل البشر.. أكره السياسة الأمريكية التي تتغنى بجنة «الديمقراطية» داخل حدود الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها خارجها تمارس أبشع أنواع الديكتاتورية.. أكره السياسة الأمريكية التي أبادت سكان مدينتين من مدن العالم، هما «هيروشيما» و«نجازاكي» وكانت الإبادة بالقنبلة الذرية التي لم يستخدمها سلاحاً ضد البشر سوى الساسة الأمريكيين.. وأكره السياسة الأمريكية بكل ما اقترفته في كوريا وبكل ما ارتكبته في فيتنام.. وأكره السياسة الأمريكية التي تتوحد تماما، وعلى المكشوف، مع كل ما يرتكبه الصهاينة القراصنة من جرائم وفظائع، وقد اكتملت سطور هذه المقدمة يوم 24 ديسمبر 2003، أي في الذكرى التاسعة والثلاثين لغياب الشاعر العربي - العراقي الكبير بدر شاكر السياب.

وفي الخاتمة أتساءل من جديد: هل أكره الأمريكيين؟ - وعلى  الفور أجيب: لا أكرههم.. لكني أكره السياسة الأمريكية؟.. وأما أنتِ يا بغداد، فأنكِ كنتِ وما زلتِ وستظلين في القلب.

        24/12/2003                                        «حسن توفيق»

لمعرفة أخبار الشاعر أدخل بريدك الالكتروني


 

جميع الحقوق محفوظة© تصميم وتطوير (شركة روندا للتكنولوجيا)