الثعلب يقدم أدلة ووثائق.. لاتهام الأرنب بأنه مارق

دخل الأرنب جُحره وهو يغنِّي.. وقال لأرنبته: اطمئني.. لقد نجوتُ اليوم من مكر الثعالب.. ولم تستطع الوحوش أن تُنشب في جسدي المخالب.. وقد رأى المحللون أن نجاتي هي إحدى العجائب.. بينما أُصيبت الوحوش بخيبة الأمل.. وقال أكبرها: علينا بالعمل.. لكي نوقع هذا «الخرجوش» اللعين.. في مَصْيدةٍ مُحكمة لا تلين.

اعتدل الأرنب في جلسته.. وأخذ ينفض الغبار عن فروته.. محركا شاربه الأبيض ذات اليمين وذات اليسار.. بينما انهمكت الأرنبة في الاجترار.. وهي تتبادل مع أرنبها الدعابات.. وتدلله وهو يسقيها من نبيذ القُبلات.. وكأن الأرض كلها قد أصبحت واحة حب.. لا غابة مخيفة يتغلغل فيها الرعب.

خارج الجُحر عقدت الوحوش اجتماعا بعد اجتماع.. وتتالت جلسات الاستماع.. وظل الصحفيون منهمكين.. بينما ظل المصورون بالكاميرات منشغلين.. وأخذت القنوات الفضائية تبث ما لديها.. بينما كانت تقارير مراسليها تتوالى عليها.. وهكذا أكدت قناة فضائية عربية.. أنها حصلت من الأرنب على رسالة صوتية.. بينما أكدت قناة ثانية.. أن لديها عدة صور زاهية.. التقطت للأرنب وهو يقفز فوق أحد التلال النائية.

اختلفت وجهات نظر الوحوش.. بشأن القيام بعملٍ جماعي ضد الأرنب الخرجوش .. فمن قائلٍ بضرورة توجيه إنذار أخير.. ومن وحش يتوعد الأرنب بأسوأ مصير.. أما الثعلب المكار. فقد أعلن أن الأرنب يمتلك أسلحة دمار.. وأنه قادر على تحويل العشب إلى سلاح بتار.. هذا فضلا عن أن طريقته في الاجترار.. توضح أنه ممن يُخفون الكثير من الأسرار.. وتعهد الثعلب بأن يقدم أدلة ووثائق.. لاتهام الأرنب بأنه أكبر مارق ..

وقبل أن يقدم الثعلب ما لديه.. رأى أن يقوم بما يعتبره واجبا مقدسا عليه.. حيث اطلق الثعلب أعتى الصواعق.. فانتشرت على أثرها الحرائق.. وسقطت العصافير محترقة على الأرض.. وملأتها بالطول وبالعرض.. بينما تطايرت في الجو جثث الحشائش والأعشاب.. بعد أن اعتبرها الثعلب منبعا من منابع الإرهاب.. خاصة وأنها تقدم للأرنب ما يكفيه.. وتمده بما على قيد الحياة يبقيه.

على الرغم من كل ما جري ويجري.. ظلت عروق الحياة في الأرنب تسري.. ومن أعماق الجُحر. قفز على الفور فأر.. واتجه بسرعة نحو المجنون. ليقول له إن الأرنب قد اختفى في مكان مأمون. وحملت أجنحةُ الهواء.. رسالةً من الأرنب الذي استعار طاقية إخفاء.. فاستمع المجنون إلى الرسالة دون إبطاء:

أيها المجنون فينَا

لا تخفْ من باطشينَا

إنني في خيرِ حالٍ

رغم قصفِ القاصفينَا

ها أنا في الأرض أمشي

وآَشمُّ الياسمينَا

لستُ من ثعلبِ شؤمٍ

خائفاً أو مستكينَا

إنه يمشي جريحاً

فمُه يَلْعقُ طينَا

منذ أن شاء التهامي

أطلقَ الحقدَ الدفينا

حيث أعماه غرورٌ

شأن كلِّ الظالمينا

فامتطى الشرَّ حصاناً

وهو يبغى أن نلينَا

إنما «شوقي» ينادي

من ديارِ الخالدينَا

«مخطيء مَنْ ظنَّ يوماً

أنَّ للثعلبِ دينَا»

.. فجأة دوت في الأرض فرقعة.. فحاول المجنون أن يكشف سر الزوبعة.. حيث رأى من بعيد.. رجالاً ولكنهم في هيئة عبيد.. بعضهم لم يخجل من الإعلان.. أنه واحد من المخلصين الخصيان.. وبعضهم يرفع راية الإذعان.. وبعضهم يعفر وجهه بالتراب.. مؤكدا أنه يتصدى للإرهاب. ولهذا لابد أن يكافئه الثعلب بقطعة من الكباب.

بعد قليل خرج الثعلب وقد اكتسى وجهه بالغضب.. وقال لمن حوله: كيف سمحتم للأرنب بالهرب.. وبعد هذا تريدون أن تأكلوا الكباب؟.. إنني سأمرغ رؤوسكم في التراب.. وهنا ضحك أحد الوحوش.. وقال: لقد أفلت الأرنب خرجوش .. أما الثعلب الذي يهددنا.. ودائما نراه يتوعدنا.. فإن فمه يلعق الطين.. بعد أن كان يحلم بقضم الكمثرى والتين.

تزلزلت جدران الصمت.. عندما صرخ الثعلب بأعلى صوت.. من ليس معي فهو ضدي.. لكني سأقضي على الإرهاب وحدي.. حتى أستطيع أن أنعم بجمال هذا البيت.. دون أن تبعدني عنه أصوات الحقد والمقت.. ولن يستطيع أي أرنب من الأرانب.. أن يتصدي للديمقراطية التي تنتهجها الثعالب.

لمعرفة أخبار الشاعر أدخل بريدك الالكتروني


 

جميع الحقوق محفوظة© تصميم وتطوير (شركة روندا للتكنولوجيا)