|
لم
يكن المجنون ينوي الخروج من الدار.. بعد أن أسند قدميه على
جدار.. متخيلا أنه يمارس رياضة روحية.. على طريقة «اليوجا»
الهندية.. والتي تعني «الاتحاد» باللغة السنسكريتية.. حيث يتحد
الانسان بروح الكون.. فيتخفف من الكآبة والحزن.. وهكذا ظل
المجنون في وضع مقلوب.. يتأمل أهوال العالم المنكوب.. ويستمع
إلى موسيقى رقيقة..توهمه أن هذا العالم قد تحول إلى أبهى حديقة.
فجأة
تدفقت على أذنيه أصوات نهيق.. فاعتدل وخرج من الدار إلى
الطريق.. وقد استبدبه الضيق.. بعد أن افسد النهيق خلوته
الروحية.. وجعله يخرج ليواجه الدنيا الشقية.. ولم يصدق المجنون
ما يراه أمامه..وإن كان المشهد قد اثار اهتمامه .. حيث رأى
مجموعات من الحمير السائبة.. تحرك في الهواء ذيولها وهي
غاضبة.. فتعجب المجنون أشد العجب.. متسائلا عن سر هذا الغضب..
وهل هناك من منعوا الحمير.. من حريتها في أكل الشعير.. ورفضها
لشرب أي كوب عصير .. وقناعتها بشرب جردل ماء.. ترتوي منه كما
تحب وكما تشاء.. وتصور المجنون أن في الأمر سرا لايدريه..
ولابد له أن يعرف خوافيه.. نظرا لأن الحمير مشهورة بالصبر..
ولاتحب الشكوى طيلة ما تعيشه من عمر!
وقف
المجنون حائرا وهو يتمتم:.. أحتاج الآن لمترجم.. ليتني عشت في
زمن سليمان الحكيم.. بدلا من أن يحاصرني وجه سليمان الدميم..
حيث تتكشف الظلمة عن ضلال مسالك.. تؤدي عادة إلى أسوأ
المهالك.. ولذلك .. لا بد أن أُخرج من جيبي القمقم المصنوع من
النحاس .. لكي أتوصل إلى نتيجة لها أساس.
أمسك
المجنون القمقم وضربه بيده ضربة واحدة .. فخرج العفريت بقامته
الماردة.. قائلا: شبيك لبيك.. عبدك بين ايديك.. ثم انحنى على
الفور.. فطالبه المجنون بأن يكشف له السر.. ويوضح له الأمر ..
آمرا إياه أن يترجم.. أصوات النهيق إلى كلمات .. تبعده عن
التخبط في المتاهات.. وهكذا انطلق المجنون مع العفريت .. بعد
أن قضم كل منهما قطعة بسكويت وأخذ العفريت يسمع ثم يترجم..
بينما المجنون يهذي ويتمتم.. وهمايندسان وسط زحام الحمير..
ويستمعان لكل ماهو مثير:
-
نطالبكم بإخراج زملينا من الزنزانة.. وإلا رفسناكم وأنتم تلهون
في الحانة.
-
ابتعدوا عنا أيها الغرباء.. فأنتم سبب الفوضى والبلاء..
-
اتظنون أنكم جئتم إلى هنا للرقص؟!
-
يبدو أن عقولكم محتاجة للفحص!
..
بعد أن استمع المجنون لما وعاه.. وأدرك معناه ومغزاه.. أطلق
العفريت قهقهة مدوية.. فارتبك الغرباء وتحركوا حركات
هيستيرية.. وأخذوا يطلقون النار بصورة عشوائية.. فقتلوا
الأبناء أمام أمهاتهم.. وأبعدوا الأحفاد عن جداتهم.. وكل هذا
لكي يثبتوا أنهم ليسوا جبناء.. وأنهم دائما أقوى الأقوياء..
وترجم العفريت بعض ما سمعه من رطانة أجنبية وببراعته حولها
إلى أبيات شعرية:
ياحماراً.. لن يليناَ
سوف
نُبْقيكَ سجيناَ
دونَ
ماءٍ أو شعيرٍ
تشربُ
الدمعَ الثخيناَ
إننا
لسنا «علوجاً»
لا..
ولسنا معتدينا
نحن
في الباراتِ نلهو
ونغني
راقصيناَ
نحمل
الأمن إليكم
ونحبُّ المهتدينا
فلماذا جئتَ تسعى
بضلال
المارقينا
تحمل
الصاروخَ ناراً
وبنارٍ تبتلينا
أنت َ
للأشرار عونٌ
يا
حماراً لن يليناَ
..
قال المجنون: «ليس على الأرض السلام» .. بعد أن طغى فيها
اللئام.. حتى وأن تلثموا بأرقى لثام.. وليس «بالناس المسرة» ..
مادام الأطفال لا يذوقون في الأعياد سوى الحسرة.. وسمع المجنون
أحد الغرباء يرطن بلغة أجنبية.. سائلا زميله بنبرة عصبية.. وهو
يرتجف كالفأر المذعور.. ما هذا الذي نراه يدور؟ حتى الحمير
علينا تثور! لا بد من إبقاء الحمار تحت المراقبة ليل نهار..
طالما أنه يتحالف مع الأشرار.. وهم ينشرون الرعب والدمار.
مرة
ثانية.. أطلق العفريت قهقهة عالية.. فاختبأ الغرباء بسرعة
متناهية .. لكن
قذيفة
محملة بالأهوال.. سقطت فوق رؤسهم في الحال.. وهنا وضع العفريت
يده على كتف المجنون وقال:.. أرأيت الذين كانوا يلهون .. وفي
البارات يرقصون .. هاهم الآن أمامك مذعورون.. وهناك غيرهم
مقتولون.. لقد حركتهم المطامع .. وقذف بهم أكبر مُخادع..
وزيَّن لهم أنهم سوف يتنزهون .. وها هم الآن من كأس العار
يشربون.. وسمع «مجنون العرب» أحدَ الرجال السمر.. ممن تكتسي
ملامحهم بالعزة وبالطهر.. يؤكد أن المقاومة حق لكل إنسان حر..
ما دام الطغاة يتحالفون .. وبمعنى الحرية يتلاعبون.. لكي
ينهبوا كما يشاؤون .. بينما يحشون بالرماد العيون .. حتى لا
يراهم الآخرون. |