مقدمة فاروق شوشة

بغداد خانتني!

بقلم: فاروق شوشة

هذا هو عنوان المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر حسن توفيق، الشاعر المصري الذي يعمل في قطر منذ سنوات طويلة، ولولا حرصه على أن يظل اسمه موجودا وإبداعه الشعري مقروءا ومتداولا في حياتنا الأدبية لباعدت الغربة بينه وبين الذاكرة الشعرية لهذا الزمان. من هنا كان اهتمامه بنشر كتاباته وإبداعاته الشعرية والنثرية التي تعد هذه المجموعة الشعرية فيها الرابعة عشرة، منذ ظهرت مجموعته الأولى «الدم في الحدائق» عام 1969، ثم توالت بعدها دواوينه:

«أحب أن أقول لا»، «قصائد عاشقة»، «حينما يصبح الحلم سيفا»، «انتظار الآتي»، «قصة الطوفان من نوح إلى القرصان»، «وجهها قصيدة لا تنتهي»، «ما رآه السندباد»، «ليلى تعشق ليلى»، «عشقت اثنتين»، «مجنون العرب بين رعد الغضب وليالي الطرب»، «جسد يتشمس بالحسد». فضلا عن عدد من الدراسات والتحقيقات أهمها: «اتجاهات الشعر الحر»، «إبراهيم ناجي: قصائد مجهولة»، «شعر بدر شاكر السياب: دراسة فنية وفكرية»، «أزهار ذابلة وقصائد مجهولة للسياب»، «جمال عبدالناصر: الزعيم في قلوب الشعراء»، «الأعمال الشعرية الكاملة للدكتور إبراهيم ناجي»، الأعمال النثرية الكاملة للدكتور إبراهيم ناجي»، «رحلات شاعر عاشق»، «الأعمال الشعرية المختارة للدكتور إبراهيم ناجي»، وهذه الأعمال الأخيرة من الدراسات والتحقيقات - تكشف عن جانب من أهم جوانب الشخصية الثقافية لحسن توفيق، وهي كونه مؤرخا، يمتلك أساليب التحقيق والتوثيق، والبحث الدؤوب في المراجع والمصادر، والدوريات والحوليات، سعيا وراء اكتشاف ما هو مجهول أو ناقص في أعمال الشعراء وآثارهم القلمية، خاصة في حالة الدكتور إبراهيم ناجي الذي ظلم ديوانه ظلما فادحا، حين نشرت طبعته الأولى في صورة مشوشة مضطربة بعد أن تسللت إليها قصائد عديدة للشاعر كمال نشأت - وكانت بكل أسف طبعة وزارة الثقافة في ذلك الحين - كما ظل بعض شعره وكتاباته النثرية وترجماته مجهولا حتى كشف عنه حسن توفيق وأعاده إلى موضعه الصحيح من تراث ناجي.

على غلاف هذه المجموعة الجديدة «بغداد خانتني» يبادر حسن توفيق قارئه بأنها قصائد ومقامات في حب العراق، وهو ما يفسر القسم الثاني من الكتاب الذي يحمل عنوان مقامات عصرية كتبها الشاعر محاكيا لغة المقامات القديمة المسجوعة، وملأها - أيضا على طريق مقامات بديع الزمان والحريري - بالعديد من الاستشهادات الشعرية، في قالب رمزي ساخر، يحاكي استخدام الحيوان في كتاب «كليلة ودمنة»، فهناك الثعلب والأرنب والطاووس والقطط والسلاحف والخنزير والحمار والقرد وصولا الى الأخطبوط والأسماك، والطريف أن اللغة في يديه طيعة سلسة، وأن روح الفكاهة المرة والسخرية القائمة لم تفارقه، وهو يعرض للواقع في بغداد وغير بغداد من أقطار العالم العربي.

وشاعرنا حسن توفيق يصارح قارئه منذ الصفحة الأولى بأن هذا الكتاب تحية حب لكل أرض العراق، تحية إجلال لأرواح الشهداء، من الأطفال والنساء ومن المدنيين والعسكريين، وتحية عميقة لكل من يقاوم دون أن يتراجع أو يساوم. وتحية تقدير لكل العراقيين الذين يعرفون معنى أن يظل العراق يضمهم أجمعين، بعيدا عن أولئك الصامتين الذين يترقبون أن يحصلوا على غنائم، وبعيدا عن الذين يتصورون أن بإمكانهم أن يجعلوا شمال العراق دولة مستقلة لهم.

الجديد في هذا الكلام كله أن الكتاب - بشعره ونثره - يمثل شهادة مبدع مصري على ما جرى في العراق وعلى الأرض العربية منذ سقوط بغداد يوم الأربعاء 9 أبريل سنة 2003، لكنها شهادة من خارج مصر، من واقع الغربة في بلد عربي هو قطر، ومن بين عناصر وجاليات عربية عديدة، تنعكس ردود أفعالها وتياراتها الفكرية وانتماءاتها على مواقفها. وشاعرنا في هذا الخضم يستصفي ويستخلص موقفه وكلماته بدأب المؤرخ، الذي يجعل من شعره سجلا لتتابع المشاهد والمواقف، وغياب وجه بغداد وانتمائه وتلاشيه، بعد أن كان متوهجا في قلب الذاكرة الشعرية، والمقاربة البصرية والإنسانية. من هنا كانت كلماته في قصيدته «بطاقة حب لبغداد» التي اختار من بينها عنوان مجموعته الشعرية الجديدة، وهو يقول:

بغداد خانتني، وأخفت وجهها عني

لم يبق لي أحد سواها، ما دهاها

كيــــــــــــف تفلت كفهـــا مني

بغداد خلتني مع السفهاء والأجراء

مغـــــتربين عــــن حــــــــــزني

بغــــــــــــداد خـــــــــــانتني

ثم يقول:

بغداد تسكنني، وأسكنها

وأنساها ببلواها، فتحضنني

وتظل تلهو حولها أفعى معربدة

تطوقها، لترعبني

بغداد باقية

وباق جمرها بسمائنا العطشى إلى وطن

يوما ستصحو،

حيث تمسح دمعتي الحرى

وتضحك وهي توقظني

المؤرخ حسن توفيق يستدعي من ذاكرة التاريخ ما حدث لبغداد على أيدي المغول سنة 1258. منذ سبعمائة وست وأربعين سنة، وينقل هذه السطور من كتاب مختصر تاريخ العرب الذي ألفه سيد أمير علي وترجمه الى العربية عفيف البعلبكي، وهو يقول: في صباح اليوم التالي لاقتحام بغداد، أصدر هولاكو أوامره بنهب المدينة وذبح سكانها، ويحتاج وصف تدمير تلك المدينة الى براعة مؤرخ مثل جيبون، فالنساء والأطفال الذين خرجوا من بيوتهم يحملون المصاحف على أكفهم ويتضرعون الى الجنود، كي يبقوا على حياتهم، وطئت أجسادهم بحوافر الخيل. أما الكنوز الفنية والأدبية التي جمعها الخلفاء المتعاقبون بكثير من المشقة والعناء، فقد دمرت تدميرا خلال بضع ساعات، وغرقت شوارع المدينة طوال ثلاثة أيام بالدماء، واصطبغت مياه دجلة بالحمرة عدة أميال، واستمرت أعمال التخريب والتقتيل ستة أسابيع، فدمرت القصور والمساجد والضرائح، إما بالنار أو بمعاول بغية الحصول على قبابها الذهبية، وأغمد السيف في رقاب المرضى في المستشفيات، والطلاب والأساتذة في الكليات، وفي الضرائح نبشت قبور الأولياء والأئمة الصالحين، وفي المجامع العلمية التهمت النيران تآليف كبار العلماء.

وألقيت الكتب طعمة للنيران أو مياه دجلة، وهكذا فقدت الإنسانية تلك الكنوز التي تجمعت خلال خمسة قرون. المؤرخ الشاعر يطالب قارئه بالمقارنة بين هذه الأحداث المأساوية وما حدث في بغداد اعتبارا من الاربعاء 9 أبريل سنة 2003 مؤكدا أن الخيانة قد لعبت دورها في الحالتين، مستشهدا بما ذكره محمد بن طباطبا صاحب الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية واصفا كيف دخل المغول بغداد بقوله: إنه في يوم الخميس رابع المحرم من سنة 656 هـ ثارت غبرة عظيمة شرقي بغداد على درب بعقوبا حيث عمت البلد، فانزعج الناس من ذلك وصعدوا الى أعالي السطوح والمنابر يتشوفون، فانكشفت الغبرة عن عساكر السلطان (أي هولاكو) وخيوله ولفيفه وكراعه، وقد طبق وجه الأرض وأحاط ببغداد من جميع جهاتها، ثم شرعوا في استعمال أسباب الحصار، وشرع العسكر الخليفي (يقصد جنود الخليفة المستعصم) في المدافعة والمقاومة الى اليوم التاسع عشر من شهر المحرم، فلم يشعر الناس إلا ورايات المغول ظاهرة على سور بغداد من برج يسمى برج العجمي من ناحية باب من أبواب بغداد يقال له باب كلوازي، وكان هذا البرج أقصر أبواب السور، وتقحم العسكر السلطاني هجوما ودخولا، فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم والتمثيل البليغ، ما يعظم سماعه جملة في الظن بتفاصيله.

هي إذن الخيانة التي جعلت حسن توفيق يستشهد بقول بدر شاكر السياب الذي رحل عن عالمنا قبل أن يشهد سقوط بغداد بتسعة وثلاثين عاما:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون!

أيخون إنسان بلاده؟

إن خان معنى أن يكون..

فكيف يمكن أن يكون؟

حسن توفيق في ثنايا مجموعته الشعرية الجديدة يقدم معارضات عصرية، ممتلئة بالسخرية والحس الفكاهي الأسود، للعديد من القصائد والمعلقات المشهورة بدءا بلامية العرب للشنفرى ولامية العجم للطغرائي حين يقول:

على الفرات دم والعار في دمنا

فيا فرات اغتسل بالنار واكتحل

ولامية امريء القيس، حين يقول متهكما:

ألا عم صباحا أيها الفندق الغالي

فقد بات فيك الأهل في يوم زلزال

ومعلقة عنترة، حين يقول:

ما أعجب التلفاز من متكلم

يأتيك بالخبر الذي لم تعلم

ونونية ابن زيدون، حين يقول:

الموج يجرفنا والشوق يدنينا

يا جنة الروح يا أحلى أمانينا

ونونية المتنبي المشهورة بأن كل أبياتها حكم حين يقول:

يسقط الخائب الجبان مهانا

حين يرضى بحبه الأوثانا

كما يعارض أيضا داليته المشهورة في هجاء كافور ويقول:

عيد بأية حال عدت يا عيد

والعزم مفتقد والجبن موجود!

ويدهش قارىء هذه القصائد وغيرها من قدرة حسن توفيق على التقمص واستدعاء اللغة والأساليب التي كتبت بها هذه القصائد التي يعارضها في سياق عصري يسقط عليه مواقفه وآراءه وأحكامه على الرجال والمواقف. وهي في جوهرها هجائيات لعصر وزمان وحكام ونظم وأوضاع، هجاء لا تنقصه طرافة التناول أو حرارة السخرية ومرارة الحس الفكاهي، انه في مجموعته الشعرية هذه، بكل ما صنعه وأُفتن فيه، يكشف عن وجه أصيل من وجوهه - بعد وجه المؤرخ فيه - وهو كونه واحدا من ظرفاء مصر، وندمائها الكبار، ومسامريها، يمتلىء جرابه بالكثير من الحكايات والتواريخ والوقائع، انتثر بعضها على صفحات كتابه، وجعل منه شاهدا على سقوط عصر، وهوان تاريخ.

وليس حسن توفيق بالوحيد الذي سقط في شرك المؤرخ على حساب الشاعر، فقد سقط بعض نقادنا أيضا - بفضل غواية الانترنت وشبكتها المعلوماتية - في شرك المؤرخ بدورهم، فأصبحت كتاباتهم أقرب الى التاريخ الأدبي، الذي يزدحم بالوقائع والتواريخ والمعلومات، على حساب التبصر النقدي الجديد، والرؤية العصرية الكاشفة، والدور الذي كان مأمولا منهم.

لمعرفة أخبار الشاعر أدخل بريدك الالكتروني


 

جميع الحقوق محفوظة© تصميم وتطوير (شركة روندا للتكنولوجيا)